آراء حرة

أسباب الإرهاب بين الحقيقة والخيال

أسباب الإرهاب بين الحقيقة والخيال

بدأ العالم يستعيد ذكريات الإرهاب مرة أخرى بعد عودة طالبان إلى الساحة، وسيطرتها على أجزاء عديدة ومهمة في أفغانستان، فمن الصعب نسيان العمليات الإرهابية مثل أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، والعمليات الإرهابية في أوروبا والشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين.

ومن العسير أن ننسى الجماعة السلفية ومجازرها في الجزائر، خاصة في ظل الصراع السياسي في تونس الخضراء وكيف يتخوف البعض الآن من احتمال تصاعد العمليات الإرهابية بسبب ذلك.

وفي هذا السياق لنا وقفة حول ما أطلق عليه البعض تعبير “أسباب الإرهاب” لنحلل السبب الحقيقي له، لأننا إن لم ندرك ذلك فسنظل نعيش معه، ونكتوي بناره إلى الأبد.

ولم أزل أذكر كيف أن بعض المحللين والكتاب في الغرب ظنوا أن الفقر هو السبب الرئيسي للإرهاب. ويبدوا أن هؤلاء نسوا أن العديد من الإرهابيين، وقادتهم، لم يكونوا فقراء، ومن أشهر هؤلاء بن لادن نفسه فقد كان مليارديرا.

واتجه البعض لنظرية أن الجهل هو السبب في خلق فكر التطرف. ولو كان الأمر كذلك فلماذا رأينا متطرفين أطباء ومهندسين وخريجي الجامعات؟ وأشهر هؤلاء أيمن الظواهري فقد كان من نوابغ كليات الطب في مصر.

وقال البعض إن سبب الإرهاب هو الصراع العربي الإسرائيلي، والسؤال هنا لو كان الأمر كذلك لماذا يقتل الإرهابيون المسلمين؟ فأكثر ضحايا الإرهاب في العالم من المسلمين. ولنا أن نطرح سؤالاً بسيطاً ألا وهو هل تفجير مساجد الصوفيين في باكستان، وقتل الشيعة في العراق على يد الجماعات السنية المتطرفة، وما حدث في الجزائر من قتل ومجازر للشعب بأيدي الجماعات السلفية، هو أيضاً بسبب الصراع العربي الإسرائيلي؟ وأترك إجابة هذا السؤال للقارئ!

وافترض آخرون أن سبب الإرهاب هو ما تعرض له الإخوان في سجون عبد الناصر في الستينيات من القرن الماضي. ولو كان ذلك الأمر صحيحاً فلماذا رأينا الإرهاب الإسلامي في أوروبا حيث تَنَعّم الإسلاميون بالحرية التامة والاحترام، ولم يعذبهم أحد في المعتقلات!

ولو كان هذا الافتراض صحيحاً لماذا لم يلجأ الشيوعيون في مصر، وكان كثير منهم معتقلا أيام حكم عبد الناصر، أيضاً إلى العنف والإرهاب؟ كما فعل الإسلاميون.

ووضع البعض افتراض أن السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط هي الدافع الحقيقي وراء الإرهاب والتطرف. ومن الواضح أن استخدام هذه “الشماعة” لتبرير الإرهاب لا يستند إلى الواقع. فالولايات المتحدة لم تخترع كتب ابن تيمية، ولم تقرر لنا مبدأ قتال الناس على الإسلام أو الجزية أو القتل، كما فعل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).

ولو كانت الولايات المتحدة السبب، كما يفترض البعض، فلماذا يقتل المتطرفون الإسلاميون إخوانهم من المسلمين في بقاع العالم الإسلامي كما ذكرنا؟

وبالإضافة إلى ذلك ظن البعض أن غياب الديمقراطية في العالم الإسلامي السبب في حدوث ظاهرة التطرف والإرهاب. ولو كان الأمر كذلك فلماذا لم نر إرهابيين من أبناء غير المسلمين الذين يعيشون في العالم الإسلامي في ظل نفس المناخ السياسي؟

ولنا المثل في الصين التي لا تعرف أصلاً مبدأ الديمقراطية، ومع ذلك فهي لا تفرخ للعالم إرهابيين، كما فعلنا نحن في عالمنا العربي والإسلامي.

ومن الواضح أن كل الافتراضات السابقة لا يمكنها ببساطة تفسير الظاهرة لأنها تحاول إغفال الحقيقة المُرّة، وهي أن التطرف والإرهاب في العالم الإسلامي نتاج أيدلوجية دينية متعصبة ترفض الآخر، ولا تحترم الحياة، وتحبط الضمير البشري، وتعيق قدرة العقل على التفكير النقدي، وفوق ذلك تحرض أتباعها على الكراهية لمن لا يتبع فكرها، بل وتأمرهم بقتاله إن لزم الأمر!

ولذا فمحاولة إيجاد أسباب أخرى لإرهاب الجماعات الإسلامية، بخلاف الأيدلوجية الفكرية، هي محاولة وهمية لا تمت للواقع أو للمنطق بصلة.

وقد تكون هناك عوامل تساعد على زيادة الإرهاب، لكنها ليست هي السبب الحقيقي له. ومعرفة السبب الحقيقي لأي مشكلة هو الخطوة الأولى والرئيسية لحلها.

من زاوية اخرى موقع الحرة

أضف تعليق
بقلم د. توفيق حميد

زر الذهاب إلى الأعلى