القران الكريم

التفسير العصري للقرآن الكريم”مقدمة”

روح القرآن

 مقدمة و نبذة عن الكاتب

د. طارق عبد الحميد هو طبيب مصرى و باحث فى الإسلام و مقارنة الأديان.

ولد الدكتور طارق عبد الحميد عام 1961م ، وخاض مراحل تطور فكرية كثيرة بدأت من البحث عن وجود الله ثم الإنتماء الى الجماعة الإسلامية بكلية طب القصر العينى لفترة وجيزة ثم رفض لفكرهم العنيف وتفسيرهم المتطرف للقرآن الكريم، وبعد أن ترك الدكتور طارق الجماعة الإسلامية فى أوائل ثمانينات القرن الماضى وبدأ رحلة بحث فى القرآن ليصل الى مفهومه الحقيقى، وقد شارك الدكتور طارق فى العديد من الحوارات بين الحضارات والأديان المختلفة.

و فى هذا العمل يقدم الدكتور طارق عبد الحميد نظرة أخرى للقرآن تعتمد على فهم القرآن بالقرآن بقدر المستطاع ومن خلال تعمق وتدقيق وتدبر أحرفه وكلماته، ويطرح الدكتور طارق فى “روح القرآن” الكثير من المفاهيم الضرورية لفهم كتاب الله مثل أهمية إستخدام أدوات التعريف فى بعض الكلمات وأهمية فهم القرآن فى ضوء مبادئه العليا وقواعده العامة ومقاصده وليس فقط فهمه بخصوصية الموقف، وسيتعرض “روح القرآن” ويصحح بعض المفاهيم الخاطئة التى إستخدمها البعض لبث روح الكراهية بدلاً من روح المحبة والسلام بين البشر.

وهذا العمل هو إضافة بحثية منهجية للكثير من المحاولات البشرية لفهم القرآن ولكل من حاول من قبل وسيحاول من بعد فهم كتاب الله كل التقديرعلى إجتهاداتهم للوصول الى الحقيقة سواء أخطأوا أم أصابوا.

أسس فهم القرآن

{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَاب}

قيل عن القرآن أنه حمال أوجه وقد أمرنا الله عز وجل بالتفكر والتدبر فى آياته فقال تعالى {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ}.

وفهم القرآن بطريقة صحيحة يؤدى الى الهداية أما فهمه بصورة خاطئة فقد يؤدى بالإنسان الى الضلال, وقد وصف الله تعالى هذه الخاصية للقرآن بقوله تعالى  :

{يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ}.

 وسأعرض فى الصفحات التالية بعض المبادئ الهامة التى أدعو الله أن تساعدنا على فهم القرآن بصورة سليمة.

▀  المبدأ الأول: أهمية أدوات التعريف فى القرآن :

يستخدم القرآن الكريم الكثير من أدوات التعريف مثل ” أل” أو أدوات الإشارة مثل “الذين” وهذه الأدوات تخصص المعنى فى مجموعة بعينها من الناس، فعلى سبيل المثال حين يستخدم القرآن تعبير “الكافرين” أو “المشركين” فهو يتحدث عن مجموعة بعينها وهم كفار مكة ومشركوها وليس عن كل من كفر أو من أشرك، ولتوضيح هذا المعنى على القارئ أن يتصور أنه كان يتحدث مع صديق له على الهاتف عن كتاب معين واتفق معه على إرسال ذلك الكتاب إليه بالبريد فإن تحدثتَ مع صديقك بعد بضعة أيام وقلتَ له هل أرسلت الكتاب فإن ذلك يعنى ذلك الكتاب بعينه وليس أى كتاب آخر، وكذلك الحال حينما يتحدث القرآن عن الكافرين أوالمشركين أو الذين كفروا أو الذين أشركوا فإنه يحدد المعنى فى كفار مكة و مشركيها أما إن أستخدم القرآن تعبير “من كفر” أو “من أشرك” فإنه يعممه على كل من كفر وكل من أشرك.

وعلينا أيضاً ملاحظة ضمير الغائب فى آخر الكلمات, فإن سألك صديق لك : “هل قابلتهم؟” فأول سؤال يتطرق إلى ذهنك هو من المقصود ب “هم” ؟ وكذلك حين يستخدم القرآن تعبير “قاتلوهم” لابد أن نسأل أنفسنا من المقصود بضمير الغائب “هم” فتعبير “هم” يشير الى مجموعة بعينها وليس لأى أحد وذلك يتضح لنا من خلال السياق القرآنى، وكما نعلم من القرآن فإن معظم آيات القتال كانت تتكلم عن كفار مكة الذين طردوا المؤمنين الأوائل من ديارهم وقاتلوهم لإجبارهم على الرجوع عن دينهم و وصف ذلك القرآن بقوله :

{وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ}.

فملاحظة ضمير الغائب مثل “هم” أو “هن” وغيرها من التعبيرات اللغوية المخصصة للمعنى يساعدنا على فهم وإدراك المعنى فى سياقه حتى لا يختلط علينا فهم الآيات فنعمم الخاص و نخصص العام منها، فبإختصارعلينا حين نقرأ القرآن أن نلاحظ وندقق فى إستخدام أدوات التعريف فى بداية الكلمات وأيضاً علينا ملاحظة ضمير الغائب فى نهايتها لأن ذلك يجعلنا نفهم القرآن بصورة صحيحة.

و هكذا نرى أن فهم الآية المذكورة من خلال التحليل العميق قد يوضح لنا مفهوماً آخر غير الذى قد نفهمه إذا نظرنا إليها بصورة سطحية.

▀  المبدأ الثانى : ” درجات الفهم القرآنى ” :

حين يقرأ الإنسان آية من آيات الكتاب العزيز فإنه قد يفهمها بصورة سطحية ربما تتسبب فى إضلاله عن المعنى الحقيقى المقصود منها، فى حين أنه لو تعمق فى فهمها كما سنرى فى المثل التالى فإنه قد يصل الى غايتها والهدف منها ومفهومها الحقيقى الذى يتفق مع روح القرآن، فعلى سبيل المثال حين تقرأ الآية التالية :

{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}

 فإن فهمها بصورة سطحية ودون تعمق قد يتسبب ذلك فى إرتكاب جريمة لا تغتفر إن نتج عن ذلك الفهم قتل إنسان برئ لمجرد أن له عقيدة أخرى قد تراها شركاً، وعلى العكس من ذلك تماماً فإن فهم الآية وتحليلها من خلال درجات الفهم القرآنى التى سنذكرها قد ينتج عنه مفهوم يختلف بصورة مطلقة عن فهمك السطحى لها.

ولنرى هذا المثل التوضيحى لكيفية فهم هذه الآية الكريمة على خمس مستويات أو درجات:

الدرجة الأولى: من المقصود بكلمة “المشركين” ؟

المقصود بها فقط مشركو مكة الذين أعلنوا القتال على المسلمين الأوائل فى بدء

الدعوة.

الدرجة الثانية : ما الدليل على تخصيص المعنى فى هؤلاء المشركين ؟

هو إستخدام القرآن لأداة التعريف “أل” قبل كلمة مشركين وذلك يحدد المعنى فى طائفة بعينها فلو أراد القرآن تعميم المعنى لأستخدم تعبير “من كفر” بدلاً من تعبير “الذين كفروا”.

الدرجة الثالثة : لماذا غضب الله على مشركى مكة ؟

لأنهم إضطهدوا المسلمين الأوائل لأجل دينهم وطردوهم من ديارهم وعذبوهم لأنهم

آمنوا بعقيدة تخالف عقيدتهم.

الدرجة الرابعة : ما هى الصفة التى تتصف بها أفعال مشركى مكة مع المسلمين الأوائل؟

إضطهاد أقلية فى المجتمع لأجل دينها أو ما يسمى “الإضطهاد الدينى”.

الدرجة الخامسة: ماذا نتعلم من هذا؟

أن لا نضطهد أى أقلية دينية موجودة بيننا أوتعيش معنا وإلا اصبحنا مثل كفار مكة و أستوجبنا غضب الله.

▀  المبدأ الثالث : عدم إستقطاع أجزاء من القرآن لخدمة غرض بعينه :

 يقع البعض أحياناً فى خطأ إستقطاع جزء من الآيات لكى يخدم غرضاً خاصاً فى نفسه و ذلك الفعل جريمة كبيرة فى حق الله لأنه يضلل الناس عن المفهوم الحقيقى للقرآن، فعلى سبيل المثال فإن من يستقطع من القرآن قوله {قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} فعليه أن يكون أميناً و يكملها كما جاء فى القرآن بعدها مباشرةً وهو { كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً }.

فإستخدام الجزء الأول من الآية دون ذكر الجزء الثانى – كما يفعل البعض – يُظهِر صورة عدوانية للقرآن ويشوه صورة الدين فى حين أن إستكمال الآية بجزئيها توضح أن القتال كان دفاعاً عن النفس وليس عدواناً مما يغير من الأمر تماماً.

▀  المبدأ الرابع : فهم المقاصد و الأهداف من الآيات

لكى نفهم هذا المبدأ لنتصور سوياً أن الرسول عليه السلام كان يسير ذات يوم مع مجموعة من أصحابه ووجد إنساناً يموت عطشاً فى الصحراء فقال لمن حوله إذا رأيتم إنسان عليلاً فإسقوه ماءاُ، و هنا نسأل أنفسنا سؤالين:

السؤال الأول : ما هو الأمر الذى أمر به الرسول؟

السؤال الثانى : ولماذا أمر الرسول بذلك؟

 والإجابة على السؤال الأول هو أن أمر الرسول كان أن نسقى الإنسان العليل ماءاً،

والإجابة على السؤال الثانى هو أنه أمر بفعل ذلك لكى ينقذ حياة إنسان ونفس بشرية عملاً بقوله تعالى : {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}.

ولننتقل الآن الى عصرنا الحالى ونتصور معاً أن هناك إنساناً أمامنا الآن يموت من غيبوبة سكر وأمامنا رأيان:

  • الرأى الأول يقول أن علينا أن نتبع الرسول حرفياً ونسقيه ماءاً (مع العلم بأن إعطاء الماء عن طريق الفم فى حالات الغيبوبة قد يتسبب فى موت الإنسان),
  • والرأى الثانى يقول أنه علينا أن ننفذ الهدف من أمر الرسول وهو إنقاذ حياة الإنسان وفى هذه الحالة فإننا لابد أن نعطيه محاليل عبر الوريد ومادة الإنسولين بدلاً من إعطائه ماءاً عن طريق الفم لأن ذلك قد يتسبب فى مقتله.

فأىَّ من الرأيين تراه إتباعاً حقيقياً لأمرالرسول ؟ من ينفذ أمر الرسول حرفياً فيعطيه الماء بالفم فيقتله أم من لا ينفذ الأمر بصورة حرفية فيعطيه علاجاً آخراً فينقذ حياته ؟

 و بالقطع فإن الرأى الثانى هو الذى يتفق مع ما أراده الرسول ومع روح القرآن :

{وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}.

وهذا المبدأ نستطيع تطبيقه فى فهم الكثير من الآيات فمثلاً قد يفهم البعض أن الآيات التى تعطى للزوجة حق الميراث على أنها مجرد آية لتحديد نسبة الزوجة فى ميراث زوجها و قد يرى آخرون أن هذه الآيات هى دلالة على أن هدف القرآن وقت نزوله هو أن يعطى المرأة المزيد من الحقوق وبالتبعية فإن علينا -إن أردنا إتباع هذا الهدف القرآنى- أن نعطى المرأة المزيد من الحقوق فى عصرنا الحالى كى نتأسى بروح القرآن.

▀ المبدأ الخامس : إتباع الضمير فى الحكم على الأشياء :

حين نقرأ قوله تعالى {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} ندرك أهمية إستخدام الضمير الذى خلقه الله فينا قبل أن نحكم على شئ أنه حلال أم حرام.

فعلى سبيل المثال فإن شرب كوب من الماء قد نراه حلالاً مطلقاً تبعاً لقوله تعالى {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} ولكن إذا علمنا أن هناك إنساناً بجانبنا يموت عطشاً وأن شرب هذا الكوب من الماء سيتسبب فى موته وعلى العكس من ذلك فإن إعطاءه له وعدم شربه سيتسبب فى إنقاذ حياته، وفى هذه الحالة فإن شرب هذا الكوب فى تلك اللحظة أصبح حراماً لأنه سيتسبب فى قتل نفس بشرية {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}.

فعلينا قبل أن نفعل أى شئ أن نسأل أنفسنا هل إن فعلناه سيكون فيه ظلم لأحد أوعدوان على آخرين أو إبخاس لحقوق الناس وفى هذه الحالة فإن ما نظنه حلالاً قد يكون متعارضاً مع روح القرآن لأن فيه ظلماً {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} أوعدواناً {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} أوبخساً لحقوق الناس {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ}، ولذا فعلينا أن نُعمِل ضمائرنا حين ننفذ آيات الكتاب الكريم لنتيقن أن ما نفعله لا يخالف باقي معانيه، ويتفق هذا المبدأ فى إعمال الضمير قبل الحكم على الأشياء مع الحديث الشريف ” إستفت قلبك وإن أفتاك الناس وأَفتوك”.

▀ المبدأ السادس : العبرة من القصص القرآنى :

حين نقرأ قصص القرآن علينا أن نقرأ ما وراء الكلمات لنفهم العبرة من القصة، فالقصة فى القرآن ليست بهدف سرد أحداث تاريخية لكن لأخذ العبرة منها {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ}. فعلى سبيل المثال حين نقرأ قصة الهدهد والنبى  سليمان نتعلم منها الإستماع الى الطرف الآخر قبل إصدارالأحكام عليه، فها هو سليمان ينتظر ليسمع من طائر صغير قبل أن يصدر حكماً نهائياً عليه فيقول :

{مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}.

 وحين نقرأ قصة فرعون نتعلم منها أن أبشع جريمة تغضب الله عز وجل هى إستضعاف الأقليات الدينية والعرقية فكما رأينا فى القصة كان السبب الرئيسى لغضب الله على فرعون أنه إستضعف بنى إسرائيل كما ذكر القرآن {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ}، وأيضاً حين نقرأ قصة خليل الرحمن إبراهيم نرى أن قومه كادوا أن يعترفوا بأنهم هم المخطئون حينما كلمهم إبراهيم بالمنطق والعقل فحين قال لهم {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ} كان ردهم على ذلك هو :

{ فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ}.

 وعلى العكس من ذلك تماماً فلما هاجمهم إبراهيم بقوله {أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} كان رد فعلهم على ذلك بأن قالوا {حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ}، ومن ذلك نتعلم أن أفضل طريقة للحوار مع الآخرين هى إستخدام الحجة والمنطق وليس التهجم على الآخرين بالكلمات وقد تعلم إبراهيم نفسه الدرس من قصته فحين خاطب النمرود خاطبه بالمنطق والحجة كما جاء فى الآية :

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.

▀ المبدأ السابع : إستيعاب المجاز اللغوى :

يستخدم القرآن الكريم الكثير من التعبيرات المجازية مثل {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} و{فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} و{وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}، وعلينا فهم هذه الآيات بصورة مجازية وليس بصورة حرفية وذلك لأن الله منزه أن يكون له يد أوعين أو وجه مثلنا أو أن يجلس على عرش مثل البشر، وجدير بالذكر هنا أن ندرك أنه كما أن عندنا تعبيرات مجازية لا نأخذها بصورة حرفية فإن أتباع العقائد والديانات الآخرى قد يكون لديهم هم أيضاً تعبيرات مجازية فى كتبهم لا يفهموها بصورة حرفية.

▀ المبدأ الثامن : إدراك المدلول اللغوى للكلمات :

التأمل فى مدلول الكلمات المستخدمة فى القرآن هو أمر فى غاية الأهمية فعلى سبيل المثال حين نقرأ كلمة مسلم أو إسلام أو مسلمين يأتى على أذهاننا فوراً الشخص الذى ينفذ الأركان الخمسة للديانة الإسلامية :(شهادة أن لا إله إلا الله و ان محمد رسول الله – إقامة الصلاة – و إتاء الزكاة  – صيام رمضان – حج البيت لمن إستطاع إليه سبيل) فى حين أننا لو تأملنا فى قول الرسول ” بُنى الإسلام على خمس ” ندرك أن الإسلام قد بُنىَ عليها أى أنه شيئ مختلف عنها وذلك يجعلنا نتساءل ما هو الإسلام إذاً ؟ فقد سرد لنا القرآن قصص أنبياء كثيرين وصفهم بأنهم مسلمون فى حين أن ذلك كان قبل نزول القرآن وقبل بعثة الرسول، و ذلك يؤكد أيضاً أن مدلول كلمة إسلام ليس هو الأركان الخمسة فقط كما يظن البعض.

و المفهوم اللغوى لكلمة  “إسلام” هو الإذعان والخضوع لله وذلك قد يكون من خلال القرآن أو الأنجيل أو التوراة أو صحف إبراهيم، والإذعان لله يكون من خلال إتباع طريق السلام – كما تفيد الكلمة فكما يقال صلح – مصلح – إصلاح – مصلحين يقال سلم – مسلم – إسلام – مسلمين، فكما أن المصلح هو الذى يصلح  فى الأرض فكذلك فإن المسلم الحقيقى هو من يصنع السلام فى الأرض، وذلك يتفق مع قول الرسول عليه السلام “المسلم من سلم الناس من لسانه و يده”.

فمن قال عن نفسه أنه مسلم أو كتب ذلك فى بطاقته الشخصية ولم يتعايش مع غيره من الناس فى سلام فهو مثل إنسان أسمه كريم فى شهادة الميلاد ولكنه ليس كريماً فى أخلاقه و معاملاته.

وذلك الشرح يوضح لنا أن ضرورة التأمل فيما تحويه كلمات القرآن من مدلولات لغوية و معان قد تكون خافية علينا إذا نظرنا إليها بصورة سطحية.

▀ المبدأ التاسع : العمل فى ضوء المبادئ العامة فى القرآن :

للقرآن مبادئ عامة واضحة وجلية وهناك بعض المواقف الخاصة وعلينا فهم القرآن من خلال مبادئه العامة لأن المواقف الخاصة لها ظروفها التاريخية التى تحكمها، ومن مبادئ القرآن العامة التى علينا فهم آيات الله من خلالها ما يلى :

  • التعارف مع الشعوب و الحضارات الآخرى { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا },
  • العيش فى سلام مع الآخرين { ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً },
  • عدم السخرية من غيرنا من الشعوب أو الأفراد { لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ },
  • الإلتزام بقيم العدل و الإحسان فى معاملة الناس {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ },
  • الإنفاق و مساعدة المحتاج { فَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ },
  • عدم إكراه أحد على أداء شعائر الدين { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ },
  • حرية العقيدة { فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ },
  • إطعام المسكين و المحتاجين { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا },
  • أن يختار الإنسان أجمل التعبيرات حين يخاطب الآخرين {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا },

الصفح عن الناس { فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ }.

▀ المبدأ العاشر : الله وحده هو صاحب الحق فى حساب البشر

حين يذكر الله عز وجل أنه مالك يوم الدين وأنه هو وحده صاحب الحق فى حساب البشر {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم} وحينما يقول لنبيه الكريم {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ} فعلينا أن نتعلم من ذلك أن حق حساب البشرهو حق مطلق لله وحده لا ينازعه فيه أحد وأن أى محاولات من البعض لإصدار الأحكام على البشر ونعتهم بصفات مثل الكفر والشرك والفجور والزندقة وغيرها من التعبيرات هو منازعة لله فى حقه فى حساب خلقه.

فمن نراه مؤمناً قد لا يقبله الله تعالى ومن نظنه فاسقاً قد يقبله الله لأنه هو أعلم بظروفه ولذا قيل على لسان الرسول عليه السلام فى القرآن {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} فإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام لا يدرى ما يفعل به ولا بالآخرين أو كيف سيحاسبون فهل ندرى نحن؟

و هذه المبادئ العشر قد تساعدنا على فهم القرآن بطريقة أفضل لنعرف الرسالة الحقيقية التى أرادها الله تعالى للبشر، وندعو الله أن ينيرعقولنا وقلوبنا بفهم صحيح لكتابه الكريم {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.

حقوق الطبع و النشر محفوظة للمؤلف        

© د. طارق محمد عبد الحميد 2013          

لا يجوز بأى حال من الأحوال طباعة أو نشر هذا العمل

أو جزء منه عبر وسائل الطباعة العادية أو عبر شبكات الإنترنت

أو غيرها من الوسائل الإلكترونية دون أخذ موافقة

كتابية من المؤلف.

الطبعة الأولى أبريل 2013

أضف تعليق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى