آراء حرة

من سينتصر في قضية الوصية في الميراث…؟

قضية الوصية في الميراث

يتصاعد الجدل في العديد من الأروقة بالعالم العربي والإسلامي حول قضية الوصية في الميراث. البعض يرى أن الوصية حلال وأنها مقبولة في الدين الإسلامي، بينما يرى آخرون، وهم الأغلبية، أنها مرفوضة دينياً لأنه تبعاً لأحاديث التراث فإنه “لا وصية لوارث”.

ويتصاعد الصراع حالياً على الإنترنت، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي حول هذه القضية على أمل أن تتغير القوانين الوضعية فتسمح بتطبيق الوصية بصورة كاملة حتى لا يضطر الناس إلى التحايل على القانون بصورة أو بأخرى.

ومن أمثلة هذا التحايل أن يضطر إنسان أن يكتب ممتلكاته لابنته المحتاجة للمساعدة المالية لأن أخيه الغني سيرث جزءاً كبيراً من ممتلكاته في حالة وفاته.

ويذكرني هذا الأمر العجيب بكيف يهمل العديد ممن يطلق البعض عليهم “فقهاء المسلمين” صريح القرآن بل ويضربون به عرض الحائط.

فالآيات واضحة وجلية لمن يرى وهي تقول صراحة وبوضوح شديد أن تطبيق أي قاعدة قرآنية في المواريث لا يتم إلا بعد “وصية يوصي بها أو دين”، أي أن رفض مبدأ الوصية أو محاولة تحديده خارج الإطار القرآني، هو رفض لصريح القرآن.

وإلى القارئ أسرد بعضاً من آيات المواريث لكي يرى الجميع كيف أنها واضحة كالشمس في منتصف النهار.

“وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ” (سورة النساء آية 12).

وبالإضافة إلى تكرار آية “مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ” ثلاث مرات في الآية السابقة، فقد تكرر نفس التعبير في جميع آيات المواريث دون استثناء.

ويذكرني رفض العديد من الشيوخ والفقهاء للآيات المذكورة التي تؤكد بقبول الوصية برفضهم أيضاً آيات واضحة وجلية وصريحة في مبدأ حرية العقيدة مثل “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ “، ومثل ” فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ”.

فمن الواضح أن رفض صريح القرآن وإهماله، وكما ذكرت، ليس غريباً على هؤلاء الفقهاء الذين لا يجدوا غضاضة في إعلاء ما يسمى بكتب التراث على القرآن الكريم.

ونعود مرة أخرى لموضوع المقال فنسأل أنفسنا ماذا لو مات شخص وعليه دين كبير لأحد البنوك أو الشركات.. هل سيتم توزيع ثروته دون دفع الدين أم سيتم دفع هذا الدين أولاً ثم يتم تقسيم الباقي من ثروته تبعاً للمعايير القرآنية المذكورة. بالقطع ستكون الإجابة أن الدين يسدد أولاً تبعاً للآية الكريمة ” مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْن”.

وهنا يأتي السؤال البديهي لهؤلاء الشيوخ.. لماذا إذا لا تطبقون نفس المبدأ على الوصية (وهي مذكورة في نفس الآية) كما طبقتموه في حالة الدين فيتم تنفيذ الوصية أولاً ثم يتم توزيع الباقي طبقاً لما ذكره الذكر الحكيم؟ لماذا تكيلون مفهوم الآية بمكيالين؟

فحتى القرآن بالرغم من وضعه لبعض المعايير في الميراث وقت نزوله فإنه جعل الأولوية للوصية فقدمها على المعايير التي ذكرها وجعل لها أولوية عليها في قوله “مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ”.

وقد يرى البعض أن القرآن فتح بذلك المجال لتغيير هذه المعايير تبعاً للاحتياج البشري في العصور المختلفة وذلك حتى يكون الدين صالحاً لكل زمان ومكان.

ومن أشد الأشياء عجباً في رفض مبدأ “الوصية” في المواريث أن القرآن اعتبرها فرضاً مكتوباً على كل من يستطيع أن يفعلها إذا شعر باقتراب أجله فقال الله صراحة ” كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ ” (البقرة 180). فهي أي “الوصية” كتبت كما كتب الصيام على الناس إن استطاعوا الصيام كما قال تعال” كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم” (البقرة 183).

فليت شعري كيف يمكن إغفال مثل هذه الآيات ليتم إتباع بعض الفقهاء الذين لم يعطهم الرحمن الحق في السيطرة على فهم الدين ولم يذكر أسماءهم في كتابه العزيز ولم يزكيهم أمام الناس لكي يتبعوهم؟

فهل سيفيق الناس يوماً ما على الخدعة التي يعيشون فيها وهم يرفضون تنفيذ آيات القرآن مثل آيات “الوصية” ويستخدمون بدلاً منها كتب ما أنزل الله بها من سلطان؟ ألم يحن الأوان لإدراك هذا الأمر الهام الذي يمس حياة الكثيرين؟

أضف تعليق
بقلم د. توفيق حميد

زر الذهاب إلى الأعلى