القران الكريم

سورة الاٴحزَاب

الاٴحزَاب

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

يَـٰٓأَيُّہَا ٱلنَّبِىُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَـٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَـٰفِقِينَ‌ۗ إِنَّ ٱللَّهَ ڪَانَ عَلِيمًا حَكِيمً۬ا (١) وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ‌ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرً۬ا (٢) وَتَوَڪَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ‌ۚ وَڪَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً۬ (٣) مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ۬ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِى جَوۡفِهِۦ‌ۚ وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٲجَكُمُ ٱلَّـٰٓـِٔى تُظَـٰهِرُونَ مِنۡہُنَّ أُمَّهَـٰتِكُمۡ‌ۚ وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡ‌ۚ ذَٲلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٲهِكُمۡ‌ۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِى ٱلسَّبِيلَ (٤) ٱدۡعُوهُمۡ لِأَبَآٮِٕهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ‌ۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٲنُڪُمۡ فِى ٱلدِّينِ وَمَوَٲلِيكُمۡ‌ۚ وَلَيۡسَ عَلَيۡڪُمۡ جُنَاحٌ۬ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡ‌ۚ وَڪَانَ ٱللَّهُ غَفُورً۬ا رَّحِيمًا (٥) ٱلنَّبِىُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِہِمۡ‌ۖ وَأَزۡوَٲجُهُ ۥۤ أُمَّهَـٰتُہُمۡ‌ۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُہُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٍ۬ فِى ڪِتَـٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَـٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآٮِٕكُم مَّعۡرُوفً۬ا‌ۚ ڪَانَ ذَٲلِكَ فِى ٱلۡڪِتَـٰبِ مَسۡطُورً۬ا (٦) وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَـٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ۬ وَإِبۡرَٲهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ‌ۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَـٰقًا غَلِيظً۬ا (٧)


(1) {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} تأمر هذه الآية الرسول عليه السلام ألا يطع الكافرين والمنافقين, ونلاحظ إستخدام الآية لأداة التعريف “ال” فى الآيتين فقالت {الْكَافِرِينَ} ولم تقل “من كفر” و قالت {وَالْمُنَافِقِينَ} ولم تقل “من نافق”، وإستخدام أداة التعريف تشيرالى تخصيص القرآن للمعنى فى فئة معينة من الكافرين الذين إعتدوا على الرسول والذين معه وطردوهم من ديارهم و عذبوهم وآذوهم فى بدء الدعوة، ونلاحظ أيضا أن القرآن إستخدم ” لَا ” الناهية فقال {وَلَا تُطِعِ} ولمعرفة عمن ينهى القرآن عن معاملته فلنقرأ هذه الآية :

{لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.

 (4) نزلت هذه الآية لتعالج بعض المشاكل الخاصة بمجتمع الرسول وقت نزولها وهى أن الرجل يقول لزوجته “انت علىّ كظهر أمى” { وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ } فيحرمها على نفسه ويحرم العلاقة الزوجية معها، وكان البعض يكذب على الأطفال من التبنى ويدعى أنهم أبناؤه الجسديون ولا يذكرون أنه قد يكون لهم آباء أو أمهات على قيد الحياة فنصح القرآن بقول الحقيقة لهؤلاء الأطفال لأنهم سيعرفون الحقيقة يوما ما ولا أفضل من الصدق، ونتعلم من هذا فى عصرنا الحالى قول الصدق مع الجميع.

(5) {هُوَ أَقْسَطُ} “أى أكثر قسطاً” أو أكثر عدلاً ف “أقسط ” هى صيغة التفضيل من القسط (أى العدل)، ونلاحظ أن القرآن لم ينف مبدأ حدوث القسط إذا سمى الطفل على أسم من يتبناه ولكن القرآن قال أنه سيكون أكثر قسطاً إذا سمى بأسم أهله الحقيقين حتى يعطى المجال لهم أن يجدوه وله أن يجدهم فى يوم من الأيام .

(6) {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} لفهم هذه الآية علينا أن نقرأ الآية فى نهاية السورة والتى تقول {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن) وكان هذا الأمر يعنى للبعض فى ذلك المجتمع أن الرسول عليه أن يعيش متفرغاً للعبادة فقط ( مثل الإعتكاف لباقية عمره ), و كان هذا فى ذلك العصر قد يؤذى الرسول نفسياً لأنه قد يجعل بعض الذين فى قلوبهم مرض يفكرون بصورة غير لائقة فى زوجاته كما حدث فى حادثة الإفك، فجاء القرآن ليقول للمجتمع أن زوجات الرسول كأمهات لهم حتى لا يفكر أحد فيهن بصورة غير لائقة بعد تحريم الزواج على الرسول من غيرهن.

(7) قيل أن أسماء الرسل المذكروة فى هذه الآية هم أولوا العزم من الرسل وهم خمس : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام.


 لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّـٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡ‌ۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَـٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمً۬ا (٨) يَـٰٓأَيُّہَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٌ۬ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡہِمۡ رِيحً۬ا وَجُنُودً۬ا لَّمۡ تَرَوۡهَا‌ۚ وَڪَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَـٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۟ (١٠) هُنَالِكَ ٱبۡتُلِىَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالاً۬ شَدِيدً۬ا (١١) وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِہِم مَّرَضٌ۬ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ۥۤ إِلَّا غُرُورً۬ا (١٢) وَإِذۡ قَالَت طَّآٮِٕفَةٌ۬ مِّنۡہُمۡ يَـٰٓأَهۡلَ يَثۡرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمۡ فَٱرۡجِعُواْ‌ۚ وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٌ۬ مِّنۡہُمُ ٱلنَّبِىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٌ۬ وَمَا هِىَ بِعَوۡرَةٍ‌ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارً۬ا (١٣) وَلَوۡ دُخِلَتۡ عَلَيۡہِم مِّنۡ أَقۡطَارِهَا ثُمَّ سُٮِٕلُواْ ٱلۡفِتۡنَةَ لَأَتَوۡهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِہَآ إِلَّا يَسِيرً۬ا (١٤) وَلَقَدۡ كَانُواْ عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ لَا يُوَلُّونَ ٱلۡأَدۡبَـٰرَ‌ۚ وَكَانَ عَهۡدُ ٱللَّهِ مَسۡـُٔولاً۬ (١٥) قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلۡفِرَارُ إِن فَرَرۡتُم مِّنَ ٱلۡمَوۡتِ أَوِ ٱلۡقَتۡلِ وَإِذً۬ا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً۬ (١٦) قُلۡ مَن ذَا ٱلَّذِى يَعۡصِمُكُم مِّنَ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ سُوٓءًا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ رَحۡمَةً۬‌ۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّ۬ا وَلَا نَصِيرً۬ا (١٧) ۞ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلۡمُعَوِّقِينَ مِنكُمۡ وَٱلۡقَآٮِٕلِينَ لِإِخۡوَٲنِهِمۡ هَلُمَّ إِلَيۡنَا‌ۖ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ إِلَّا قَلِيلاً (١٨) أَشِحَّةً عَلَيۡكُمۡ‌ۖ فَإِذَا جَآءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَيۡتَهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ كَٱلَّذِى يُغۡشَىٰ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِ‌ۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ سَلَقُوڪُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَيۡرِ‌ۚ أُوْلَـٰٓٮِٕكَ لَمۡ يُؤۡمِنُواْ فَأَحۡبَطَ ٱللَّهُ أَعۡمَـٰلَهُمۡ‌ۚ وَكَانَ ذَٲلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرً۬ا (١٩) يَحۡسَبُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ لَمۡ يَذۡهَبُواْ‌ۖ وَإِن يَأۡتِ ٱلۡأَحۡزَابُ يَوَدُّواْ لَوۡ أَنَّهُم بَادُونَ فِى ٱلۡأَعۡرَابِ يَسۡـَٔلُونَ عَنۡ أَنۢبَآٮِٕكُمۡ‌ۖ وَلَوۡ ڪَانُواْ فِيكُم مَّا قَـٰتَلُوٓاْ إِلَّا قَلِيلاً۬ (٢٠) لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٌ۬ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأَخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرً۬ا (٢١) وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ۥ‌ۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَـٰنً۬ا وَتَسۡلِيمً۬ا (٢٢) مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٌ۬ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِ‌ۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُ ۥ وَمِنۡہُم مَّن يَنتَظِرُ‌ۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلاً۬ (٢٣) لِّيَجۡزِىَ ٱللَّهُ ٱلصَّـٰدِقِينَ بِصِدۡقِهِمۡ وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَـٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ‌ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورً۬ا رَّحِيمً۬ا (٢٤) وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرً۬ا‌ۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَ‌ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزً۬ا (٢٥) وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَـٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقً۬ا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقً۬ا (٢٦) وَأَوۡرَثَكُمۡ أَرۡضَہُمۡ وَدِيَـٰرَهُمۡ وَأَمۡوَٲلَهُمۡ وَأَرۡضً۬ا لَّمۡ تَطَـُٔوهَا‌ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ڪُلِّ شَىۡءٍ۬ قَدِيرً۬ا (٢٧)


(8-27)  تتكلم هذه الآيات عن مواقف خاصة حدثت فى صدر الإسلام وهى تسرد بعض القصص عن صراع المؤمنين الآوائل مع المشركين الذين أخرجوهم من ديارهم وظاهروا على إخراجهم وعذبوهم وآذوهم حتى يردوهم عن دينهم ، وقد ساعد بعض المنافقين فى ذلك العصر المشركين على فعل هذا الظلم، ونرى هذا الوصف القرآنى يوضح لنا ان الحديث يدور عن مجموعة بعينها فى زمن محدد ومواقف خاصة، وهذه بعض الأمثلة على تلك الخصوصية : {أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ} عرف الكلمة ب “ال” ولم يتركها مطلقة، {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا}, و{إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ}, و{وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ  فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}, {يَا أَهْلَ يَثْرِبَ}, و {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ}, و{يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا}, و {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَاب}, و {وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ},

فنرى فى كل هذه الآيات أنها تتحدث وبوضوح شديد عن مواقف خاصة وأحداث بعينها فلا يجوز أخذ هذه الكلمات و تعميمها على أناس آخرين لم يشاركوا فى هذا الصراع لا من قريب ولا من بعيد ومن يفعل ذلك فقد حرف آيات القرآن عن مفهومها الحقيقى أى حرف الكلم عن مواضعه لأجل خدمة أغراضه العدوانية وعلينا دائماً تذكر قوله تعالى {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} فليس من حقنا أن نحمل أحداً مسئولية ذنب أقترفه آخرون، وعلينا تذكر دائماً أن الرسول و من معه كانوا يصارعون فى هذا الوقت صراعاً من أجل البقاء ويكافحون ضد من يريد إبادتهم وقهر حريتهم الدينية فى إختيار عقيدتهم، و برغم هذا الصراع التاريخى أمر الله نبيه أن يجنح للسلام إذا جنح الآخرون إليه {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} ولنا أيضاً أن نتعلم أننا إذا حاربنا أقلية دينية مسالمة بسبب فكرها أو عقيدتها فإننا أصبحنا لا نختلف شيئاً عن هؤلاء الكافرين والمنافقين الذين ذكرتهم الآيات.


 يَـٰٓأَيُّہَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزۡوَٲجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيۡنَ أُمَتِّعۡكُنَّ وَأُسَرِّحۡكُنَّ سَرَاحً۬ا جَمِيلاً۬ (٢٨) وَإِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ۥ وَٱلدَّارَ ٱلۡأَخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡمُحۡسِنَـٰتِ مِنكُنَّ أَجۡرًا عَظِيمً۬ا (٢٩) يَـٰنِسَآءَ ٱلنَّبِىِّ مَن يَأۡتِ مِنكُنَّ بِفَـٰحِشَةٍ۬ مُّبَيِّنَةٍ۬ يُضَـٰعَفۡ لَهَا ٱلۡعَذَابُ ضِعۡفَيۡنِ‌ۚ وَكَانَ ذَٲلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرً۬ا (٣٠) ۞ وَمَن يَقۡنُتۡ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتَعۡمَلۡ صَـٰلِحً۬ا نُّؤۡتِهَآ أَجۡرَهَا مَرَّتَيۡنِ وَأَعۡتَدۡنَا لَهَا رِزۡقً۬ا ڪَرِيمً۬ا (٣١) يَـٰنِسَآءَ ٱلنَّبِىِّ لَسۡتُنَّ ڪَأَحَدٍ۬ مِّنَ ٱلنِّسَآءِۚ إِنِ ٱتَّقَيۡتُنَّ فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلۡبِهِۦ مَرَضٌ۬ وَقُلۡنَ قَوۡلاً۬ مَّعۡرُوفً۬ا (٣٢) وَقَرۡنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَـٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰۖ وَأَقِمۡنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّڪَوٰةَ وَأَطِعۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۚ ۥۤ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنڪُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرً۬ا (٣٣) وَٱذۡڪُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِى بُيُوتِڪُنَّ مِنۡ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِڪۡمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤) إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَـٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِ وَٱلۡقَـٰنِتِينَ وَٱلۡقَـٰنِتَـٰتِ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرَٲتِ وَٱلۡخَـٰشِعِينَ وَٱلۡخَـٰشِعَـٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَـٰتِ وَٱلصَّـٰٓٮِٕمِينَ وَٱلصَّـٰٓٮِٕمَـٰتِ وَٱلۡحَـٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَـٰفِظَـٰتِ وَٱلذَّٲڪِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرً۬ا وَٱلذَّٲڪِرَٲتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةً۬ وَأَجۡرًا عَظِيمً۬ا (٣٥) وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ۬ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ۥۤ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَـٰلاً۬ مُّبِينً۬ا (٣٦)


(28-34)  تشير الكثير من آيات القرآن الى إنشغال الرسول بالعبادة كما جاء فى قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ *قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} و قوله {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ}، بالإضافة الى الأمر الإلهى له {لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْد ( و نلاحظ تحريم النساء عليه وليس فقط الزواج ) } و يبدو أن ذلك كان سببا فى عدم رضاء بعض زوجات الرسول فجاءت الآية {قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} ونلاحظ أيضاً أن القرآن أمر نساء النبى أن يتبعن العرف فى عصرهن فقال لهم {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ} وذلك لأن واحداً من مبادئ القرآن هو إتباع العرف المناسب للعصر الذى يعيش فيه الإنسان {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ}. فلو كان الرسول عليه السلام موجوداً فى عصرنا الحالى لأمرنا بإتباع الأعراف العالمية والتى تناسب الحداثة و المدنية بناء على آية الأمر بالعرف السابقة.

و حين نتأمل آيات القرآن نرى أن هناك أكثر من نوع مثل :

– آيات تاريخية مثل قصص الأنبياء لنأخذ العبرة و نتعلم منها { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ}.

 – آيات موقفية تتكلم عن مواقف خاصة حدثت فى عهد الرسول وتخص ذلك العصر مثل {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ}.

– آيات مبدئية تتكلم عن مبادئ الدين الأساسية مثل تحريم القتل والسرقة والإعتداء على الآخرين والظلم وإقرار العدل والأمانه والرحمة فى التعامل مع الآخرين.

 – آيات مستقبلية تتكلم عن نبوءات تحدث فى المستقبل و لم يدركها المؤمنون الأوائل فى عصرهم مثل {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } و { سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ } و { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ } و { إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ }.

– آيات غيبية تتكلم عن الغيب مثل وجود الملائكة والجنة والنار {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} وكما قيل ” طوبى لمن آمن و لم ير”.

 و ذلك التصور يعطينا قدرة أكبر على فهم كتاب الله. 

(36) يعلمنا القرآن أن الآمر فى الدين يصدر من الله {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} و يبلغه الرسول {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} فالله ورسوله لا يأمران بأشياء متناقضة فنفس الأمر الإلهى يأمرنا به الرسول، ولذا فإن القرآن إستخدم ضمير المفرد وليس المثنى حينما تحدث عن هذا الأمر فقال {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ (ولم يقل ليحكما) } لأن الأمر الآتى من الرسول هو فى حقيقته أمر الله و طاعة الرسول تكون بطاعة أوامر الله.


وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِىٓ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَيۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِى فِى نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِيهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَٮٰهُۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيۡدٌ۬ مِّنۡہَا وَطَرً۬ا زَوَّجۡنَـٰكَهَا لِكَىۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٌ۬ فِىٓ أَزۡوَٲجِ أَدۡعِيَآٮِٕهِمۡ إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡہُنَّ وَطَرً۬اۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولاً۬ (٣٧) مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ مِنۡ حَرَجٍ۬ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۖ ۥ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرً۬ا مَّقۡدُورًا (٣٨) ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَـٰلَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُ ۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبً۬ا (٣٩) مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ۬ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىۡءٍ عَلِيمً۬ا (٤٠) يَـٰٓأَيُّہَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرً۬ا كَثِيرً۬ا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةً۬ وَأَصِيلاً (٤٢) هُوَ ٱلَّذِى يُصَلِّى عَلَيۡكُمۡ وَمَلَـٰٓٮِٕكَتُهُ ۥ لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَڪَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمً۬ا (٤٣) تَحِيَّتُهُمۡ يَوۡمَ يَلۡقَوۡنَهُ ۥ سَلَـٰمٌ۬ۚ وَأَعَدَّ لَهُمۡ أَجۡرً۬ا كَرِيمً۬ا (٤٤) يَـٰٓأَيُّہَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَـٰكَ شَـٰهِدً۬ا وَمُبَشِّرً۬ا وَنَذِيرً۬ا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجً۬ا مُّنِيرً۬ا (٤٦) وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَضۡلاً۬ كَبِيرً۬ا (٤٧) وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَـٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَـٰفِقِينَ وَدَعۡ أَذَٮٰهُمۡ وَتَوَڪَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَڪِيلاً۬ (٤٨)


(37) {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} إتهم الكثير من الناس الرسول بأنه هو الذى أمر زيداً أن يطلق زوجته ليتزوجها هو و نرد على ذلك بالآتى :

 1 – الرسول لم يقل لزيد “طلق زوجك” بل على العكس من ذلك تماما قال له {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} أى أنه كان يأمره بعدم طلاقها.

  • – فى نهاية السورة حُرمت النساء على الرسول فقالت له {لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْد} حتى يعيش متفرغاً لعبادة الله.
  • 3- و تعبير {زَوَّجْنَاكَهَا} يعنى سمح لك بالزواج منها.
  • و قد هاجم البعض الرسول فقالوا إنه تزوج طليقة إبنه من التبنى (كما فهم البعض كلمة أدعيائكم)، و يجب أن نذكر هنا أن القرآن أقر تعبير {نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} لوصف الإبن بالتبنى الذى تم تبنيه منذ الصغر أما كلمة {أَدْعِيَاءَ} فلا تعنى التبنى منذ الصغر وإلا كان قال الله “من إتخذتموه ولدا” بدلاً من {أَدْعِيَاءَ}، وأغلب الظن أن أدعياء كانت تطلق على من أخذ الأسم على كبر ولم ينشأ وسط العائلة منذ صغره، و لتوضيح الأمر فهناك الإبن الجسدى وهو المذكور بقوله {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} والإبن بالتبنى الذى تربى صغيراً {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} والأدعياء هم من يحصلون على أسم العائلة فقط على كبر {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} أى لا هو أبن بالجسد ولا بالتبنى، وعلينا إدراك أنه حين نزول القرآن كانت هناك بعض القضايا الخاصة بالمجتمع فى ذلك العصر و ليس بالضرورة تناسب عصرنا هذا ولأجل ذلك فقد سمح القرآن بأن يختار الإنسان من الآيات ما يتناسب مع عصره و ظروفه {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم } و{وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} والأحسن هنا هو ما يتناسب مع العصر و الظروف كما ذكرنا.
  • (40) { مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} أقر القرآن بذلك حتى لا يقدس الناس أحداً لأنه إبن الرسول أو يحمل إسمه.  فالقرآن دائما يحثنا أن نعبد الله وحده ولا نؤله رسولاً أو نبياً أو ذريته {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ}، وذلك بالطبع لا يمنع إحترامهم و حبهم.

 (43) نلاحظ كما ذكر القرآن أن الله يصلى علينا {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ} كما صلى على الرسول عليه السلام {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} و نلاحظ أيضا أن المؤمنين يصلون على الرسول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} وأن الرسول أيضا أمر أن يصلى علينا {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ}، فالعلاقة هنا متبادلة وتعنى الرحمة والبركة  ووجود صلة روحانية، فالصلاة ليست مجرد كلمة تقال فالرسول بالرغم من إنه أمر أن يصلى على المؤمنين {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} لم يكن الرسول يردد ” عليه الصلاة و السلام ” كلما ذُكر أسم شخص مؤمن أمامه،  وإنما كان دائماً  يصل إليهم بعلاقة الرحمة والمودة و يدعوا بالبركة لكل إنسان.

(44) { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ } فالله إسمه السلام { السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ } و رغبته للناس أن يعيشوا فى سلام على الأرض { ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً } و سمى جنته دار السلام { لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ } و تحيته للناس فى الفردوس الأعلى هى سلام { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ } و الله تعالى أعطى الناس حرية الإختيار إما أن ينصروا قوى الشر بداخلهم ( الشيطان ) أو ينصروا معانى الخير و المحبة و السلام فيكونوا بذلك قد نصروا الله تعالى على الشيطان.

(48) {وَدَعْ أَذَاهُمْ} تشير هذه الآية الى الإيذاء الذى تعرض له الرسول فى بداية الدعوة من كفار مكة و المنافقين، وهذا الإيذاء شمل إيذاءاً معنوياً مثل إتهامه بالجنون {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} و {إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا},  وإيذاءاً جسدياً مثل طرده من بلده {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ}, وغيرها من وسائل التعذيب {الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} ومن معانى الفتنة الحرق أحياءاً، وكل هذه الجرائم البشعة فعلوها لأن الرسول دعا الى عقيدة جديدة مسالمة تخالف عقيدتهم وتخالف ما وجدوا عليه آباءهم.

ويذكرنا الإيذاء الذى حدث للرسول بما حدث للأنبياء والمرسلين {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا}، وعلينا أن نتعلم من هذا أننا إذا آذينا من يخالفنا الفكر والعقيدة فالحقيقة نكون إقتدينا بأعداء الله و ليس برسله، فأعداء الله هم الذين كانوا يستضعفون الأقليات ويقهرون أى عقيدة تخالف عقيدتهم كما وضح لنا القرآن فى أكثر من موقع.


 يَـٰٓأَيُّہَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَكَحۡتُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِ ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمۡ عَلَيۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةٍ۬ تَعۡتَدُّونَہَاۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحً۬ا جَمِيلاً۬ (٤٩)


(49)  توضح هذه الآية أن كلمة {نِّكَاحَ} تعنى “عقد الزواج” فكما نرى فى الآية أن النكاح قد يتم دون أن يمس الزوج زوجته { إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} ( مثل ما يسمى ” كتب الكتاب فى العصر الحالى). و تبعاً لهذه الآية إن كلمة “نكاح” ليس لها أى مدلول جسدى كما يفهم البعض خطاً. و قد تتغير مفاهيم الكلمات فى اللغة تبعاً للعصر المستخدمه فيه.


يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَحۡلَلۡنَا لَكَ أَزۡوَٲجَكَ ٱلَّـٰتِىٓ ءَاتَيۡتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّـٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَـٰلَـٰتِكَ ٱلَّـٰتِى هَاجَرۡنَ مَعَكَ وَٱمۡرَأَةً۬ مُّؤۡمِنَةً إِن وَهَبَتۡ نَفۡسَہَا لِلنَّبِىِّ إِنۡ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسۡتَنكِحَہَا خَالِصَةً۬ لَّكَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۗ قَدۡ عَلِمۡنَا مَا فَرَضۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِىٓ أَزۡوَٲجِهِمۡ وَمَا مَلَڪَتۡ أَيۡمَـٰنُهُمۡ لِكَيۡلَا يَكُونَ عَلَيۡكَ حَرَجٌ۬ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورً۬ا رَّحِيمً۬ا (٥٠) ۞ تُرۡجِى مَن تَشَآءُ مِنۡہُنَّ وَتُـٔۡوِىٓ إِلَيۡكَ مَن تَشَآءُۖ وَمَنِ ٱبۡتَغَيۡتَ مِمَّنۡ عَزَلۡتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكَۚ ذَٲلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن تَقَرَّ أَعۡيُنُہُنَّ وَلَا يَحۡزَنَّ وَيَرۡضَيۡنَ بِمَآ ءَاتَيۡتَهُنَّ ڪُلُّهُنَّۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِى قُلُوبِكُمۡۚ وَڪَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمً۬ا (٥١) لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعۡدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِہِنَّ مِنۡ أَزۡوَٲجٍ۬ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ حُسۡنُہُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىۡءٍ۬ رَّقِيبً۬ا (٥٢) يَـٰٓأَيُّہَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِىِّ إِلَّآ أَن يُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيۡرَ نَـٰظِرِينَ إِنَٮٰهُ وَلَـٰكِنۡ إِذَا دُعِيتُمۡ فَٱدۡخُلُواْ فَإِذَا طَعِمۡتُمۡ فَٱنتَشِرُواْ وَلَا مُسۡتَـٔۡنِسِينَ لِحَدِيثٍۚ إِنَّ ذَٲلِكُمۡ ڪَانَ يُؤۡذِى ٱلنَّبِىَّ فَيَسۡتَحۡىِۦ مِنڪُمۡۖ وَٱللَّهُ لَا يَسۡتَحۡىِۦ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَـٰعً۬ا فَسۡـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ۬ۚ ذَٲلِڪُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ وَمَا كَانَ لَڪُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزۡوَٲجَهُ ۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۤ أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٲلِكُمۡ ڪَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) إِن تُبۡدُواْ شَيۡـًٔا أَوۡ تُخۡفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىۡءٍ عَلِيمً۬ا (٥٤) لَّا جُنَاحَ عَلَيۡہِنَّ فِىٓ ءَابَآٮِٕہِنَّ وَلَآ أَبۡنَآٮِٕهِنَّ وَلَآ إِخۡوَٲنِہِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ إِخۡوَٲنِہِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ أَخَوَٲتِهِنَّ وَلَا نِسَآٮِٕهِنَّ وَلَا مَا مَلَڪَتۡ أَيۡمَـٰنُہُنَّۗ وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىۡءٍ۬ شَهِيدًا (٥٥)


تدل الآيات التالية ( 50 – 53 ) على بشرية الرسول فهو بشر مثل باقى البشر وليس الهدف من الدين تقديسه أو عبادته {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}، وذكر القرآن الكريم أنه كان ضالاً فهداه الله فكما قال له {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ} وقال له أيضاً { وإن كنت من قبله لمن الغافلين} وأقر إنه قد يخطئ و يصوبه الله كما حدث حينما أهمل الأعمى الذى جاء يريد أن يتعلم منه  فجاء النبى الرد القرآنى معاتباً له كما يلى {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ *أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ *أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ * وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ *وهو يخشى * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ }. و قد عاتب اللهُ تعالى أيضاً رسولَه الكريم و من معه حينما تسابق البعض منهم للحصول على غنائم دنيوية قبل أن ينقذوا المستضعفين فى الأرض فقال له  {لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. وحين نقرأ هذه الآيات علينا أن نتذكر أن الرسول عاش بعرف مجتمعه فى أمور كثيرة مثل المأكل و الملبس ولو بعث الآن عليه السلام لأتبع الأعراف الحديثة ولأمرنا بها عملاً بقوله تعالى {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ}، والعرف متغير فالأعراف فى الأمم السابقة تختلف عن الأعراف العالمية التى نعيش فيها الآن ، ونرى أيضاً فى هذه الآيات أن القرآن ذكر مواقف شخصية فى حياة الرسول كالزواج والطلاق وغيرها كى يؤكد على بشريته فلا يرفعه أحد أو يقدسه الى درجة الألوهية.

 (50) {مَلَكَتْ يَمِينُكَ} أى من تملك عهداً و يميناً أو قسماً بالإرتباط به، فيقال أن فلاناً ألقى “يمين الطلاق” وعكس هذا هو “يمين الزواج”، واليمين أوالعهد الشفوى قد يعقبه كتاب عقد {فكاتبوهم}، وفى العصور السابقة قبل سهولة الكتابة كانت العلاقات الإجتماعية مرتبطة بالعهد والإشهار, أما فى عصورنا الحالية و مع سهولة الكتابة فأصبح العرف هو كتابة عقود الإرتباط بين الرجل والمرأة، وقد أمرنا القرآن إتباع هذه الأعراف التى أصبحت متفقاً عليها بين معظم دول العالم {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ}، وقد تختلف تعبيرات الإرتباط بين الرجل والمرأة فقد يسمى ” كتب كتاب ” أو ” عقد قران ” وغيرها وما يهم فى الأمر هو إحترام عهد الإرتباط {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} وعدم نقض ميثاق الإرتباط {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} والإعلان عن هذا الإرتباط يكون مشهرًا أمام الجميع، وصف القرآن الإرتباط بأنه مثل الحصن {مُّحْصِنِينَ} والحصن يكون ظاهراً وواضحاً و بنى لكى يبقى لا ليهدم.

(52) {لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ} هو أمر تحريم وقد يفهمه البعض بأنه منع من الإرتباط أو الزواج, و يفهمه آخرون بانه منع لأى علاقة جسدية مع زوجاته عليه السلام لأن الآية لم تقل “لا يحل لك الزواج” وإنما قالت {لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ}.

 {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} تدل الآية أيضاً على بشرية الرسول و إنه مثله مثل باقى البشر {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}.

{وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} أى له أن يتم الزواج فقط ممن أعطى لهن عهداً بذلك فملكن منه يمين الزواج فلا يجوز الإخلال بالعهد {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا}.

 (53) العبرة التى نأخذها من هذه الآية هى مراعاة الذوق فى التعامل مع الآخرين فلا نفعل أشياءاً تحرجهم فقد كان بعض البدو لا يراعون الذوق فى تعاملهم مع الرسول فيدخلوا بيته بلا إستئذان وينادونه من خارج منزله بصوت عال فأراد الله أن يعلمهم مراعاة الآخرين و إحترام خصوصيتهم :

 {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا} كان هذا نوعاً من التكريم للرسول بعد أن حرم عليه النساء {لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ} فجعل القرآن زوجاته أمهاتهم وذلك يعلمنا معنى الإرتباط سواء أكان بالأمومة أو بالبنوة بصورة روحانية، فليس بالضرورة أن تكون البنوة  بالإرتباط الجينى أو الجسدى فقط وكما يظن البعض، وتعلمنا الآية أيضاً إحترام قادتنا وتكريم أسرهم  حتى بعد موتهم فهى من صفات الأصالة الجديرة بالإحترام.

(55) تتحدث هذه الآية عن زوجات الرسول وما كان يباح لهن فى العلاقات الإجتماعية بالصورة التى تتناسب مع عصرهن ولا تتناقض مع المبادئ العامة للمجتمع، ومع تغير العصور والأعراف فإن القرآن أباح لنا إتباع الأعراف الحديثة والتى تتناسب مع مجتمعاتنا فى هذا العصر فقال تعالى {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} حتى لا يجعلنا مرتبطين فقط بالأعراف الإجتماعية التى كانت موجوده فى ذلك الوقت.


إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓٮِٕڪَتَهُ ۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّۚ يَـٰٓأَيُّہَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا (٥٦) إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ۥ لَعَنَہُمُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابً۬ا مُّهِينً۬ا (٥٧) وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱڪۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَـٰنً۬ا وَإِثۡمً۬ا مُّبِينً۬ا (٥٨)


(56) {يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} نلاحظ كما ذكر القرآن أن الله يصلى علينا {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ} كما صلى على الرسول عليه السلام {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} ونلاحظ أيضاً أن المؤمنين يصلون على الرسول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} وأن الرسول أيضاً أمر أن يصلى علينا {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ}، فالعلاقة هنا متبادلة و تعنى الرحمة و البركة ووجود صلة روحانية، فالصلاة ليست مجرد كلمة تقال فالرسول بالرغم من إنه أمر أن يصلى على المؤمنين {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} لم يكن الرسول يردد ” عليه الصلاة والسلام ” كلما ذُكر أسم شخص مؤمن أمامه،  وإنما كان دائماً يصل إليهم بعلاقة الرحمة والمودة ويدعوا بالبركة لكل إنسان.

(57) {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} إن أشد إلإيذاء لله ورسوله هو الإفتراء عليهما كذباً ونسب كلام لله أو للرسول لم يقولاه، فإذا جاءنا كلام منسوب الى الرسول أو قصص تروى عن حياته فإن حبنا له يدفعنا أن نتأكد أن هذا ليس إفتراءاً عليه وذلك بالتأكد مما يلى :

1 –  ألا يكون متناقضاً مع مبادئ القرآن العليا مثل حرية العقيدة و الإحسان فى معاملة الآخرين وتحريم الظلم و العدوان.

– ألا يتناقض مع ما تعتبره ضمائرنا خلقاً عظيماً {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}. 2

3- ألا يتناقض مع المبدأ الربانى فى إرسال الرسول {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}.

 فكل ما يتعارض مع واحدٍ أو أكثر من هذه المبادئ فهو إفتراء على الرسول والرسول منه براء.

 فعلينا عدم ترديد قصص أو نسب أشياء إلى الرسول تشوه صورته حتى لا نشارك فى إيذائه {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا}.


 يَـٰٓأَيُّہَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزۡوَٲجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ يُدۡنِينَ عَلَيۡہِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّۚ ذَٲلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورً۬ا رَّحِيمً۬ا (٥٩)


(59) الهدف من لبس الجلباب فى ذلك العصر كما ذكرت الآيات كان لمنع الإيذاء {ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ}, وهناك العديد من الأراء فى هذا الأمر سنستعرض بعضها كما يلى :

 1- رأى البعض أن كل إمرأة عليها أن تغطى وجهها وكل جسدها بلباس أسود واعتمد هؤلاء على حديث الغرابيب فى البخارى.

 2- يرى البعض أن مبدأ تغطية الوجه متناقض مع القرآن نفسه والذى قال {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} وأيضا فإن إظهار الوجه هو الأساس فى الحج وهو من العبادات المقدسة فى الإسلام, ويعترض البعض على تغطية الوجه لان بعض الرجال قد يتستر وراءها ويرتكب جرائم فى المجتمع، ويفسر البعض الآية { إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } بأنه إظهار زينة الوجه أى أنها تبيح إظهار الوجه.

 3-  يرى آخرون أن المرأة لا ينبغى لها أن تظهر إلا وجهها و الكفين عملاً بما روى عن الرسول حديث ” الوجه و الكفين ” وهو حديث مشهور ولكنه فى الحقيقة حديث ضعيف من حيث السند لأنه حديث “مرسل” فخالد بن دريك الذى روى الحديث عن عائشة لم يرها لأنه ولد بعد وفاتها أو بلغة علم الحديث ” لم يدرك عائشة ” أى أن سند الحديث مقطوع فلا يعتد به.

 4- يرى البعض أن المرأة تستطيع كشف شعرها بالإضافه الى وجهها عملاً بالآيتين {جَلَابِيبِهِنَّ} و آية {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} فلم تأمر الآية بضرب الخمار على الرأس و الشعر بل فقط على فتحة الصدر.

 5- يرى البعض أن كلمة الحجاب بمعنى زى لا وجود لها فى القرآن أساساً فلم يذكر القرآن كلمة حجاب بمعنى زى ولو لمرة و احده و ذكرها بمعانى أخرى فى الآيات التالية :

 {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ۚ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُون}.

{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا}.

{فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا}.

{وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ}.

{فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ}.

{وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ}.

{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا}.

6– يرى بعض المفكرين أن لبس الجلباب كان لمنع الإيذاء كما فى الآية {ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} و لذا تنتفى ضرورة إرتدائه إذا إنتفى السبب المذكور ( أى الإيذاء).

7-  يرى آخرون أن القرآن فتح مجالاً للإنسان أن يتبع العرف فيلبس ما يلبس  وما تعارف عليه المجتمع الذى يعيش فيه {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ}.

و فى نهاية الأمر فإن ما يتفع الإنسان يوم القيامة ليس ما يلبس أو الظواهر إنما أن يكون قلبه مليئاً بالخير والرحمة و المحبة {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ *  إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} فلا شئ ينفع الإنسان إلا أن يكون قلبه سليماً.


 ۞ لَّٮِٕن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ۬ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِى ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيہَآ إِلَّا قَلِيلاً۬ (٦٠) مَّلۡعُونِينَۖ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلاً۬ (٦١) سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلاً۬ (٦٢) يَسۡـَٔلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِۚ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣) إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلۡكَـٰفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمۡ سَعِيرًا (٦٤) خَـٰلِدِينَ فِيہَآ أَبَدً۬اۖ لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّ۬ا وَلَا نَصِيرً۬ا (٦٥) يَوۡمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمۡ فِى ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يَـٰلَيۡتَنَآ أَطَعۡنَا ٱللَّهَ وَأَطَعۡنَا ٱلرَّسُولَا۟ (٦٦) وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۟ (٦٧) رَبَّنَآ ءَاتِہِمۡ ضِعۡفَيۡنِ مِنَ ٱلۡعَذَابِ وَٱلۡعَنۡہُمۡ لَعۡنً۬ا كَبِيرً۬ا (٦٨) يَـٰٓأَيُّہَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوۡاْ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيہً۬ا (٦٩) يَـٰٓأَيُّہَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلاً۬ سَدِيدً۬ا (٧٠) يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَـٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا (٧١)


(60-62) يتحدث القرآن هنا عن فئة بعينها ممن أسماهم بالمنافقين وإستخدم أداة التعريف ” ال ” لتعريفهم فهم الذين عاونوا وساعدوا كفار قريش على تعذيب المؤمنين الأوائل وطردهم من ديارهم وإيذائهم {وَدَعْ أَذَاهُمْ} فكان غضب الله عليهم فى وصفهم بقوله أنهم {مَّلْعُونِينَ} وأمر بقتالهم فقط  دفاعاً عن النفس فى مرحلة صراع البقاء التى فُرضت على المؤمنين الآوائل فى بدء الدعوة، وعلينا دائماً تذكر أن وسط هذا الصراع  كانت إرادة الله هى السلام {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} وكان بابه مفتوحاً دائماً حتى وسط أعتى لحظات القتال {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا}.

 (63-68) {الْكَافِرِينَ} لاحظ إن القرآن إستخدم أداة التعريف “ال” ليحدد المعنى فى الذين قاتلوهم فى الدين وأخرجوهم من ديارهم وظاهروا عن إخراجهم :

{ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.


إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَہَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡہَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَـٰنُۖ إِنَّهُ ۥ كَانَ ظَلُومً۬ا جَهُولاً۬ (٧٢)


(72) {الْأَمَانَةَ} قيل هى روح الله فينا {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} والتى تجعلنا قادرين على الإختيار بين الخير والشر وهى مسئولية تمنعت السماوات والأرض أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان فأصبح عليه أن يختار بين الطريقين {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} إما طريق الخير الذى ثمرته المحبة والذوق والكرم والرحمة والتواضع والتسامح و المغفرة وإما طريق الشر والذى ثمرته الكراهية والبغضاء والقسوة والتكبر والإستكبار والظلم.


لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَـٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلۡمُشۡرِڪِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَـٰتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورً۬ا رَّحِيمَۢا (٧٣)


 (73) يتكلم القرآن هنا عن فئة معينة عرفها بأداة التعريف “ال” {الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} وهم الذين حاربوا المؤمنين الأوائل وقاتلوهم فى الدين وأخرجوهم من ديارهم و ظاهروا على إخراجهم و قد وضح لنا القرآن ذلك التخصيص فى قوله :

{ لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ- إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}. 

أضف تعليق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى