القران الكريم

سورة التّغَابُن

التّغَابُن

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَمَا فِى ٱلۡأَرۡضِ‌ۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ‌ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىۡءٍ۬ قَدِيرٌ (١) هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ ڪَافِرٌ۬ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٌ۬‌ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡ‌ۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ (٣) يَعۡلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ‌ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ (٤)


(2) بعد أن ذكر الله تعالى أن البشر منهم كافر ومنهم مؤمن ختم الآية بقوله {إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ليؤكد لنا أنه هو الوحيد الذى يرى ما يفعله عباده وهو البصير بهم وبأفعالهم ولذا فهو وحده صاحب الحق فى تحديد من هو الكافر ومن هو المؤمن، فقد يتشدق إنسان بكلمات الإيمان وتكون أفعاله عكس ذلك {لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ}، وقد ينطق إنسان بكلمة الكفر مجبراً ويحتسبه الله تعالى مؤمناً {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}، وجدير بالذكر هنا أن القرآن إعتبر كل من يريد العيش فى أمان فلا يعتدى على أحد ويتعامل بسلام مع من حوله هو “مؤمن” {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ (أى أراد العيش معكم فى سلام) لَسْتَ مُؤْمِنًا} سواء كان مٌتبعاً للديانة الإسلامية أم لا، ومن ناحية أخرى فإن من يفعل أركان الديانة الإسلامية ويعتبر نفسه مسلماً فقد لا يحتسب عند الله مؤمناً {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}، فالإيمان بالله هى حالة من الأمان النفسى يعيش فيها العبد مع ربه وينعكس ذلك فى أفعاله مع الآخرين فيكون مصدر محبة ورحمة وأمان للآخرين, فإن إتبع إنسان أركان الديانة الإسلامية فقط دون أن يصل الى هذه الحالة من الروحانية فهو لم يصل الى الإيمان الحقيقى بعد.


 أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ۬ (٥) ذَٲلِكَ بِأَنَّهُ ۥ كَانَت تَّأۡتِيہِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَـٰتِ فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٌ۬ يَہۡدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ‌ۚ وَّٱسۡتَغۡنَى ٱللَّهُ‌ۚ وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَمِيدٌ۬ (٦) زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْ‌ۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡ‌ۚ وَذَٲلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ۬ (٧) فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلۡنَا‌ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٌ۬ (٨) يَوۡمَ يَجۡمَعُكُمۡ لِيَوۡمِ ٱلۡجَمۡعِ‌ۖ ذَٲلِكَ يَوۡمُ ٱلتَّغَابُنِ‌ۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَـٰلِحً۬ا يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُدۡخِلۡهُ جَنَّـٰتٍ۬ تَجۡرِى مِن تَحۡتِہَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيہَآ أَبَدً۬ا‌ۚ ذَٲلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ (٩) وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَڪَذَّبُواْ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُوْلَـٰٓٮِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِ خَـٰلِدِينَ فِيہَا‌ۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ (١٠) مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ‌ۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَہۡدِ قَلۡبَهُ ۥ‌ۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىۡءٍ عَلِيمٌ۬ (١١) وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ‌ۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَـٰغُ ٱلۡمُبِينُ (١٢) ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ‌ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَڪَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ (١٣)


(5-8) {فَكَفَرُوا} كفر الأمم السابقة لم يكن كما يظن الكثيرون أمراً عقائدياً فقط وإنما كان أمراً يُرى و يُدرك فى أفعالهم الإجرامية مثل طرد المرسلين {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} وإلقاء بعضهم فى النار {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ}  ومحاولة رجم آخرين { قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ}، فالكفر ليس قولاً و إنما هو أفعال ظالمة كما وصفها القرآن الكريم كما فى الآيات السابقة.

(10) {وَالَّذِينَ كَفَرُوا} إستخدام أداةالإشارة {الَّذِينَ} تفيد أن الحديث هنا عن كفار مكة الذين حاربوا الرسول فى بدء الدعوة و لو أراد القرآن تعميم المعنى لإستخدم تعبير “من كفر”.

وكلمة “الكفر” تعنى أكثر من معنى :

  • فقد تعنى الظلم {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ },
  • وقد تعنى عدم شكر الله على نعمه {إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا},
  • وقد تعنى قهر المخالف فى الفكر و إجباره على إتباع عقيدة بعينها كما فعلت بعض القوام السابقة مع رسلهم فوصفهم الله بالكفر {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا},
  • وقد تعنى رفض الفكر الآخر {إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ},
  • وقد تأتى كلمة ” كفر ” أيضاً بمعنى الإيمان كما فى قوله تعالى { فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ },

والكفر بالله هو مسئولية صاحبه { مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } لأن الله تعالى أعطى البشر حرية الإعتقاد {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}.

(12) {فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} تعنى أن مسئولية الرسول تنحصر فقط فى إبلاغ الرسالة.


يَـٰٓأَيُّہَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٲجِكُمۡ وَأَوۡلَـٰدِڪُمۡ عَدُوًّ۬ا لَّڪُمۡ فَٱحۡذَرُوهُمۡ‌ۚ وَإِن تَعۡفُواْ وَتَصۡفَحُواْ وَتَغۡفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ۬ رَّحِيمٌ (١٤) إِنَّمَآ أَمۡوَٲلُكُمۡ وَأَوۡلَـٰدُكُمۡ فِتۡنَةٌ۬‌ۚ وَٱللَّهُ عِندَهُ ۥۤ أَجۡرٌ عَظِيمٌ۬ (١٥) فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيۡرً۬ا لِّأَنفُسِڪُمۡ‌ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَـٰٓٮِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ (١٦) إِن تُقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنً۬ا يُضَـٰعِفۡهُ لَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ‌ۚ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَـٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّہَـٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ (١٨)


(14) {مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ} من للتبعيض أى بعض أزواجكم وأولادكم، ولكى نفهم هذه الآية علينا أن نقرأ الجزء الثانى منها وهو {وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ولسان حال الآية يقول إن الأزواج والأولاد الذين يدعون الإنسان ألا يعفوعن الآخرين ولا يصفح عن من أساء إليه ولا يغفر لمن يخطئ فى حقه هم فى حقيقة الأمر يعادونه لأنهم يبعدوه عن طريق الله الواضح فى الآية والذى يدعو الى العفو الصفح والمغفرة، والعفو هو التنازل عن الحق  فى الرد أوالإنتقام والصفح أن ينسى الإنسان خطأ الآخرين فى حقه ويمسحه من فكره كأن لم يكن و” المغفرة ” أن يملأ الإنسان قلبه بمشاعرالخير لمن أخطأ فى حقه، ولنا فى رسول الله أسوة حسنة كما نرى فى الآيات التالية {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} , {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ } , {وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} و قد تجلى ذلك فى يوم الرجوع الى مكة حين قال لمن ظلموه و إضطهدوه “إذهبوا فأنتم الطلقاء”.

(17) {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} حين نعلم أن الله نفخ فينا من روحه {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} ندرك أننا حينما نفعل أى خير لغيرنا فنعطيه مالاً أو نبتسم فى وجهه أو نقول له قولاً جميلاً فإننا نفعل ذلك لروح الله بداخله فما نظن أننا نفعله للبشر هو فى الحقيقة لله ذاته.

أضف تعليق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى