القران الكريم

سورة الحديد

الحَدید

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضِ‌ۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ (١) لَهُ ۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضِ‌ۖ يُحۡىِۦ وَيُمِيتُ‌ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىۡءٍ۬ قَدِيرٌ (٢) هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأَخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُ‌ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىۡءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ۬ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ‌ۚ يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡہَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيہَا‌ۖ وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ‌ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ۬ (٤) لَّهُ ۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضِ‌ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ (٥) يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِى ٱلنَّہَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّہَارَ فِى ٱلَّيۡلِ‌ۚ وَهُوَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ (٦) ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِ‌ۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٌ۬ كَبِيرٌ۬ (٧) وَمَا لَكُمۡ لَا تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ‌ۙ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ لِتُؤۡمِنُواْ بِرَبِّكُمۡ وَقَدۡ أَخَذَ مِيثَـٰقَكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ (٨) هُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦۤ ءَايَـٰتِۭ بَيِّنَـٰتٍ۬ لِّيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ‌ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمۡ لَرَءُوفٌ۬ رَّحِيمٌ۬ (٩)


(3) الآية تعنى أن نور الله فى كل مكان وقدرته نراها فى كل مكان فى الوجود وأننا كلما تأملنا حولنا ونظرنا بصورة أعمق تبين لنا أنه الإله الأبدى الأزلى الذى ليس كمثله شئ وهو الألف و الياء وهو البداية والنهاية ووصفه القرآن بقوله {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} و كلها تعبيرات تدل أن الله موجود فى كل مكان،  وذُكِر عن بعض النُساك والعابدين أنه قال لعينه ذات يوم “يا عين لاترى سواه ” لأنه كان يرى جمال الله فى كل شئ.

(4) {اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ} أى هيمن على الملك والوجود وهو تعبير مجازى لا يعنى أن الله يجلس على كرسى أو أنه مجسد بصورة محدودة كما قد يظن البعض، وهذه الآية تعلمنا تقبل فكرة المفاهيم المجازية عند أهل الديانات الآخرى،  فكما نحن نشرح لهم أن تعبيراً مثل {الْعَرْشِ} وغيره من التعبيرات مثل أن لله يداً {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} و له أعين {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} و له وجه {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} هى تعبيرات مجازية ولا ينبغى أن يأخذها أحد بصورتها الحرفية فعلينا أيضاً أن ندرك أن أصحاب الديانات الآخرى لهم تعبيرات فى دياناتهم يفهمونها هم أيضاً بصورة مجازية وليس بصورة حرفية كما قد نفهمها إذا قرأناها .

{وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} نلاحظ إستخدام الآية تعبير {يَعْرُجُ} والذى يعنى السير فى مسار منحنى بدلاً من تعبير ” تسير ” والذى غالبا ما يعنى مساراً مستقيماً، وقد يكون ذلك فى إشارة الى إنحناء “الزمان المكان” الذى إكتشفته بعض النظريات العلمية الحديثة والتى تصف الحركة فى الكون بأنها لابد أن تسير فى مسار منحنٍ وحين نقرأ هذه الآية {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا}  نكاد نرى لسان حالها ينطق بأن كل شئٍ أبا إلا أن ينحنى لك يا الله.

(7) {مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} أى أن المال الذى نتصور أننا نملكه هو فى الحقيقة من عند الله و قد حملنا مسئولية إنفاقه وإستخدامه فعلينا أن نستخدمه فى فعل الخيرات و زرع البسمة على وجوه الناس والتخفيف من آلامهم بدلاً من إستخدامه فى قهر الآخرين وظلمهم .


وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٲثُ ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضِ‌ۚ لَا يَسۡتَوِى مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَـٰتَلَ‌ۚ أُوْلَـٰٓٮِٕكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةً۬ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَـٰتَلُواْ‌ۚ وَكُلاًّ۬ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰ‌ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٌ۬ (١٠) مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنً۬ا فَيُضَـٰعِفَهُ ۥ لَهُ ۥ وَلَهُ ۥۤ أَجۡرٌ۬ كَرِيمٌ۬ (١١) يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيہِمۡ وَبِأَيۡمَـٰنِهِم بُشۡرَٮٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّـٰتٌ۬ تَجۡرِى مِن تَحۡتِہَا ٱلۡأَنۡہَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيہَا‌ۚ ذَٲلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ (١٢)


(10) {قَاتَلَ} لم يسمح بالقتال فى القرآن إلا فى حالة الدفاع عن النفس من هلاك محقق {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ}، وقد حرم القرآن بوضوح الإعتداء على الآخرين {وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} وينتهى القتال فوراً إذا قبل المعتدى أن يوقف عدوانه أو جنح للسلام {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا}, وحتى وسط القتال لا يجوز التخلق بأخلاق الهمجيين فإن أصبح أحد من الأعداء فى موقف ضعف وطلب العون لابد ان نمد له يد العون {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ}.

 وإن وقع واحد من المعتدين أسيراً فلا يعامل إلا برحمة و إنسانية {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}, وبعد ذلك يترك سبيل الأسرى {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} حتى يشعر المعتدى بخلق لم يعهده من قبل فتلين قلوبهم فلا يفكروا فى الإعتداء مرة أخرى ويصير السلام على الأرض {حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}، فلا يجوز بأى صورة من الصور تحريف آيات الله عن معانيها وإستخدام بعض الآيات التى تكلمت عن القتال لتبرير الإعتداء على الآخرين بأسم الدين أو إكراههم عليه مثلما يفعل بعض المجرمين الإرهابيين الذى إتخذوا آيات الله هزواً فأستقطعوا آيات من القرآن لتبرير جرائمهم بأسم الدين فإعتدوا على الناس وقتلوا الأنفس وأفسدوا فى الأرض وشوهوا صورة الدين ودماء الأبرياء على أيديهم وقد وصفهم الله تعالى فى قوله {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ}.


يَوۡمَ يَقُولُ ٱلۡمُنَـٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَـٰفِقَـٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِيلَ ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُواْ نُورً۬ا فَضُرِبَ بَيۡنَہُم بِسُورٍ۬ لَّهُ ۥ بَابُۢ بَاطِنُهُ ۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَـٰهِرُهُ ۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَہُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡ‌ۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِىُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ (١٤) فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُؤۡخَذُ مِنكُمۡ فِدۡيَةٌ۬ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ‌ۚ مَأۡوَٮٰكُمُ ٱلنَّارُ‌ۖ هِىَ مَوۡلَٮٰكُمۡ‌ۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ (١٥) ۞ أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُہُمۡ لِذِڪۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَـٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡہِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُہُمۡ‌ۖ وَكَثِيرٌ۬ مِّنۡہُمۡ فَـٰسِقُونَ (١٦) ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡىِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِہَا‌ۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأَيَـٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ (١٧) إِنَّ ٱلۡمُصَّدِّقِينَ وَٱلۡمُصَّدِّقَـٰتِ وَأَقۡرَضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنً۬ا يُضَـٰعَفُ لَهُمۡ وَلَهُمۡ أَجۡرٌ۬ كَرِيمٌ۬ (١٨) وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۤ أُوْلَـٰٓٮِٕكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ‌ۖ وَٱلشُّہَدَآءُ عِندَ رَبِّہِمۡ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡ‌ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَڪَذَّبُواْ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُوْلَـٰٓٮِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلۡجَحِيمِ (١٩) ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٌ۬ وَلَهۡوٌ۬ وَزِينَةٌ۬ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٌ۬ فِى ٱلۡأَمۡوَٲلِ وَٱلۡأَوۡلَـٰدِ‌ۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُ ۥ ثُمَّ يَہِيجُ فَتَرَٮٰهُ مُصۡفَرًّ۬ا ثُمَّ يَكُونُ حُطَـٰمً۬ا‌ۖ وَفِى ٱلۡأَخِرَةِ عَذَابٌ۬ شَدِيدٌ۬ وَمَغۡفِرَةٌ۬ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٲنٌ۬‌ۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلۡغُرُورِ (٢٠) سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٍ۬ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُہَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ‌ۚ ذَٲلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُ‌ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ (٢١) مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ۬ فِى ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِىٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِى ڪِتَـٰبٍ۬ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآ‌ۚ إِنَّ ذَٲلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ۬ (٢٢) لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَٮٰڪُمۡ‌ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٍ۬ فَخُورٍ (٢٣) ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِ‌ۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِىُّ ٱلۡحَمِيدُ (٢٤)


(13-15) {الْمُنَافِقُونَ} و {الَّذِينَ كَفَرُوا} إستخدام أدوات التعريف “ال” وإسم الإشارة “الذين” يحدد المعنى وسياق الحديث فى الكفار والمنافقين فى عهد الرسول، وحين نقرأ فى القرآن ماذا فعلوا مع المؤمنين الأوائل فطردوهم من ديارهم وعذبوهم وقاتلوهم لا لشئ إلا لأنهم آمنوا بفكر يخالف فكرهم، ومن ذلك نتعلم ألا نضطهد فكراً  لمجرد إختلافه عن فكرنا وإلا أصبحنا مثلهم و نُحشَر يوم القيامة معهم.

(16)  حينما ينتقد القرآن بعض الاقوام السابقة فإن ذلك لا يعنى على الأطلاق أن نحاسب أحفادهم الذين يعيشون فى عصرنا الحالى بهذه الأخطاء والتى حدثت فى عصور سابقة، فلا يجوز أخذ هذه الآيات لكى ننقد أو نهاجم من يعيش معنا فى هذه العصور بسبب أخطاء أرتكبها آباؤهم، فالمبدأ القرآنى فى غاية الوضوح {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} أى لا يجوز محاسبة أحد بأخطاء إرتكبها آخرون.

(18) {وَأَقْرَضُوا اللَّهَ} حينما يعطى الإنسان للآخرين أى شئ سواء كان مالاً أو طعاماً أو حباً و حناناً أو رحمة فعليه أن يستشعر فى قلبه أنه يقرض الله ذاته {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} فعطفك على المحتاج وزيارتك للمريض ومحبتك للناس والإبتسام لهم و إطعام الجائع و إرواء العطشان هو عمل خير لله تعالى فإن كل شخص تساعده فيه من روح الله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}.

(19) {وَالشُّهَدَاءُ} يتخذ الله من عباده أناساً يكونوا شهداء على الأمم يوم القيامة {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا}, {وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ}, {لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}, {وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ  (أى شهداء على الأمم)}, {وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ}. فالشهيد فى القرآن هو من يشهد على الناس يوم القيامة.

(21) {سَابِقُوا} السباق فى الآية هو سباق الى فعل الخيرات ويذكرنا ذلك بقوله تعالى عن النبى زكريا وزوجه {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} فعلينا أن نتسابق فى المغفرة والرحمة و المحبة والعطاء والذوق والرقة والإنسانية وفى كل صفة جميلة أوجدها الله فى ضمائرنا وأرواحنا.

(23) {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} ينهى الله تعالى عن الغرور والتكبر فكل ما عندنا سواء مال أو جمال أوعقل أو موهبة فهو من الله وليس من صنعنا وعلينا أن نؤمن بذلك و لا نتعالى على أحد.


لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَـٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِ‌ۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٌ۬ شَدِيدٌ۬ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۥ وَرُسُلَهُ ۥ بِٱلۡغَيۡبِ‌ۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ۬ (٢٥) وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحً۬ا وَإِبۡرَٲهِيمَ وَجَعَلۡنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡڪِتَـٰبَ‌ۖ فَمِنۡہُم مُّهۡتَدٍ۬‌ۖ وَڪَثِيرٌ۬ مِّنۡہُمۡ فَـٰسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيۡنَا بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ وَءَاتَيۡنَـٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ وَجَعَلۡنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةً۬ وَرَحۡمَةً۬ وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَـٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٲنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا‌ۖ فَـَٔاتَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۡہُمۡ أَجۡرَهُمۡ‌ۖ وَكَثِيرٌ۬ مِّنۡہُمۡ فَـٰسِقُونَ (٢٧) يَـٰٓأَيُّہَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِۦ يُؤۡتِكُمۡ كِفۡلَيۡنِ مِن رَّحۡمَتِهِۦ وَيَجۡعَل لَّڪُمۡ نُورً۬ا تَمۡشُونَ بِهِۦ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ‌ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ۬ رَّحِيمٌ۬ (٢٨) لِّئَلَّا يَعۡلَمَ أَهۡلُ ٱلۡڪِتَـٰبِ أَلَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَىۡءٍ۬ مِّن فَضۡلِ ٱللَّهِ‌ۙ وَأَنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُ‌ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ (٢٩)


(25) {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ} يتوقع الكثيرون أن بعد كلمة  معهم أى “مع الأنبياء” أن تُستخدَم كلمة الجمع ” كتب ” و ليس كلمة المفرد ” كتاب ” ولسان حال الآية يقول أن الله يعلمنا أن جميع كتبه السماوية وهذه الوصايا هى فى جوهرها كتاب واحد وقد تجلى هذا المعنى أيضاً  فى قوله تعالى {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا}، وما أوصى به نوحاً  هى مبادئ عامة للبشرية جمعاء وهى جوهر الكتب  السماوية وهذه الوصايا هى ما يلى :

– الإيمان بوجود خالق للكون – محبة الله الواحد و تقديس إسمه – إحترام النفس البشرية – إحترام حقوق الآخرين و ممتلكاتهم – الحفاظ على الأسرة –– الرحمة بجميع المخلوقات حتى الحيوان – إقامة العدل فى المجتمع  , و هذه الوصايا ذكرت أيضاً  فى الوصايا العشر لموسى عليه السلام .

 (27) {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} وصف الله تعالى أتباع المسيح عليه السلام بأن قلوبَهم مملوءة رأفة و رحمة،  فرسالة المسيح كانت رسالة المحبة والتسامح وكانت نوراً للكثيرين، ومن بعض مواعظه الرائعة والتى ذكرها الله فى الإنجيل “موعظة الجبل” حينما دعى الى أرقى مبادئ المحبة و السلام بين البشر.

  {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} أى الذين لم يتبعوا تعاليم المسيح الداعية الى الرحمة والمحبة والسلام، ونلاحظ أن كلمة {كَثِيرٌ} لا تعنى الغالبية العظمى وإلا كان القرآن إستخدم كلمة ” الأكثرية “،  واستخدم القرآن تعبير “كثير” فى قوله {وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ } فلو كان الكثير تعنى الأغلبية لقال وقليل حق عليه العذاب {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ}.

{فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا}، أى أن بعض رجال الدين فى ذلك العصر لم يراعوا روحانية الرهبنة و التى تجلت فى هذا الوصف الرائع ” أولئك الذين أشرق عليهم نورك لم يحتملوا السكنى بين الناس فهم بأجسادهم هاهنا ولكن بأرواحهم هناك أولئك الذين خلقوا لا من مشيئة جسد ولا دم ولكن من مشيئة روح “.

(29) {أَهْلُ الْكِتَابِ} يعلمنا القرآن فى آيات آخرى أن أهل الكتاب منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، فعلينا حين نقرأ آيات تتكلم بصورة سلبية  عن فئة خاصة من الذين أوتوا الكتاب أن نضع فى إعتبارنا آيات القرآن الأخرى والتى تأمرنا بعدم محاسبة أُناس فى عصرنا الحالى بمشاكل وصراعات حدثت مع أجدادهم فى العصور الماضية {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}، وعلينا أيضاً تذكر آية سورة الممتحنة والتى تبين لنا بوضوح كيفية التعامل مع الآخرين سواء كانوا يتبعون عقيدتنا أم لا:

 {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }.

أضف تعليق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى