القران الكريم

سورة الرُّوم

الرُّوم

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓمٓ (١) غُلِبَتِ ٱلرُّومُ (٢) فِىٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ (٣) فِى بِضۡعِ سِنِينَ‌ۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُ‌ۚ وَيَوۡمَٮِٕذٍ۬ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ (٤) بِنَصۡرِ ٱللَّهِ‌ۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ‌ۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ (٥) وَعۡدَ ٱللَّهِ‌ۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُ ۥ وَلَـٰكِنَّ أَڪۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ (٦) يَعۡلَمُونَ ظَـٰهِرً۬ا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأَخِرَةِ هُمۡ غَـٰفِلُونَ (٧) أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِىٓ أَنفُسِہِم‌ۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَہُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٍ۬ مُّسَمًّ۬ى‌ۗ وَإِنَّ كَثِيرً۬ا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآىِٕ رَبِّهِمۡ لَكَـٰفِرُونَ (٨) أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِى ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ‌ۚ ڪَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡہُمۡ قُوَّةً۬ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَڪۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَـٰتِ‌ۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَـٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَہُمۡ يَظۡلِمُونَ (٩) ثُمَّ كَانَ عَـٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَـٰٓـُٔواْ ٱلسُّوٓأَىٰٓ أَن ڪَذَّبُواْ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِہَا يَسۡتَهۡزِءُونَ (١٠) ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۥ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ (١١) وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبۡلِسُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ (١٢) وَلَمۡ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآٮِٕهِمۡ شُفَعَـٰٓؤُاْ وَڪَانُواْ بِشُرَكَآٮِٕهِمۡ ڪَـٰفِرِينَ (١٣) وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوۡمَٮِٕذٍ۬ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَهُمۡ فِى رَوۡضَةٍ۬ يُحۡبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَـٰتِنَا وَلِقَآىِٕ ٱلۡأَخِرَةِ فَأُوْلَـٰٓٮِٕكَ فِى ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ (١٦) فَسُبۡحَـٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ (١٧) وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَعَشِيًّ۬ا وَحِينَ تُظۡهِرُونَ (١٨)


(1-6) يتحدث القرآن الكريم فى هذه الآيات عن موقف تاريخى محدد حين هُزم الروم أمام الفرس وكان المسلمون يتمنون أن يحدث العكس فيفوز الروم على الفرس لأن الروم كانوا فى نظرهم على عكس الفرس يؤمنون بالله والكتب السماوية مثل التوراة والأنجيل والتى يؤمن بها المسلمون أيضاً، فجاءت نبوءة القرآن لهم بأن الروم سيهزمون الفرس فى بضع سنين (يقال البضع من ثلاث الى عشر).

 (9) {فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أى أن الله تعالى لا يظلم أحداً  لكن الناس يظلمون بعضهم البعض .

(10) {كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ} آيات الله هى معجزاته فى الخلق كما و ضحت الآيات من (20 – 27).

و التكذيب بآيات الله  – كالتكذيب بالدين –  ليس كما يظن البعض كلمات تقال باللسان وإنما أفعال تدل أن الإنسان مكذب {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ  * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ }، و الإيمان ليس بكلمات يقولها اللسان ولكن فى أفعاله التى تدل على إيمانه فنرى فى هاتين الآيتين كيف أن الإنسان قد ينطق ويتشدق بكلمات الإيمان ولكن حقيقته هى عكس ذلك تماماً :

{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ } و{لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ }.


يُخۡرِجُ ٱلۡحَىَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَىِّ وَيُحۡىِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِہَا‌ۚ وَكَذَٲلِكَ تُخۡرَجُونَ (١٩) وَمِنۡ ءَايَـٰتِهِۦۤ أَنۡ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ۬ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٌ۬ تَنتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنۡ ءَايَـٰتِهِۦۤ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٲجً۬ا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَڪُم مَّوَدَّةً۬ وَرَحۡمَةً‌ۚ إِنَّ فِى ذَٲلِكَ لَأَيَـٰتٍ۬ لِّقَوۡمٍ۬ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنۡ ءَايَـٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَـٰفُ أَلۡسِنَتِڪُمۡ وَأَلۡوَٲنِكُمۡ‌ۚ إِنَّ فِى ذَٲلِكَ لَأَيَـٰتٍ۬ لِّلۡعَـٰلِمِينَ (٢٢) وَمِنۡ ءَايَـٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّہَارِ وَٱبۡتِغَآؤُكُم مِّن فَضۡلِهِۦۤ‌ۚ إِنَّ فِى ذَٲلِكَ لَأَيَـٰتٍ۬ لِّقَوۡمٍ۬ يَسۡمَعُونَ (٢٣) وَمِنۡ ءَايَـٰتِهِۦ يُرِيڪُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفً۬ا وَطَمَعً۬ا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً۬ فَيُحۡىِۦ بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآ‌ۚ إِنَّ فِى ذَٲلِكَ لَأَيَـٰتٍ۬ لِّقَوۡمٍ۬ يَعۡقِلُونَ (٢٤) وَمِنۡ ءَايَـٰتِهِۦۤ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ بِأَمۡرِهِۦ‌ۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمۡ دَعۡوَةً۬ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ إِذَآ أَنتُمۡ تَخۡرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ ۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضِ‌ۖ ڪُلٌّ۬ لَّهُ ۥ قَـٰنِتُونَ (٢٦) وَهُوَ ٱلَّذِى يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِ‌ۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِى ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضِ‌ۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ (٢٧) ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً۬ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ‌ۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَـٰنُكُم مِّن شُرَڪَآءَ فِى مَا رَزَقۡنَـٰڪُمۡ فَأَنتُمۡ فِيهِ سَوَآءٌ۬ تَخَافُونَهُمۡ كَخِيفَتِڪُمۡ أَنفُسَكُمۡ‌ۚ ڪَذَٲلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأَيَـٰتِ لِقَوۡمٍ۬ يَعۡقِلُونَ (٢٨) بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍ۬‌ۖ فَمَن يَہۡدِى مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُ‌ۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ (٢٩)


(19-27) يصف لنا القرآن فى هذه الآيات لوحة ربانية تشهد بجلال الله و قدرته من إخراج الحى من الميت والميت من الحى الى خلق الإنسان من تراب الى خلق السماوات والأرض وإختلاف اللغات والألسنة وغيرها من المعجزات، ووسط هذا الوصف الخلاب من الآيات يذكرنا القرآن بأهم صفات يتصف بها عباده وهى التفكر {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} و العلم {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ}  وإستخدام العقل {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.

 وتلك هى الصفات التى علينا أن نتصف بها, فمن يقهر الفكر ويحتقر العلم ولا يعمل العقل فقد حاد عن طريق الإيمان الحقيقى، ونلاحظ قوله تعالى فى علاقة الأزواج {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} فأى زوج أو زوجة لا يعامل الطرف الآخر بالمودة والرحمة يكون قد خرج عن فطرة الله التى أرادها الله للبشر فالعلاقة بين الأزواج كما قال الله لا تكون إلا بالمعروف والحسنى{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} فمن إستخدم أى غلظة أو عنفاً مع زوجته فقد عصى الله و رسوله و خالف القرآن الكريم فى أسس العلاقة الزوجية.

(28) {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} أى من المجتمع الذى كان فى شبه جزيرة العرب وقت نزول القرآن ويلاحظ ذكر القرآن لتعبير{مِّنْ أَنفُسِكُمْ} حتى يحدد معنى الآية فى تلك الحقبة من الزمان، وكلمة {أَيْمَانُكُم} (من الأيمان) تستخدم فى القرآن بمعنى العهود والمواثيق وذكر القرآن هذه الكلمة فى العديد من الآيات مثل{وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ} و{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ} و{وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} و{وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ} (أى لا عهود لهم  فلا يحترموا عهداً) وقد فرق القرآن بين كلمة ” إماء ” و كلمة ” ما ملكت أيمانكم “, فالأولى ” إماء ” كانت تمثل الرقيق فى ذلك العصر.

أما الكلمة الثانية {مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} هى علاقة عهد وميثاق ويكون ذلك العهد بالإرتباط الأسرى أمام المجتمع

ولمعرفة المزيد فى هذا الأمر برجاء مراجعة سورة المائدة آية (221)


فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفً۬ا‌ۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡہَا‌ۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِ‌ۚ ذَٲلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَڪۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ (٣٠) ۞ مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِڪِينَ (٣١) مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَڪَانُواْ شِيَعً۬ا‌ۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡہِمۡ فَرِحُونَ (٣٢) وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ۬ دَعَوۡاْ رَبَّہُم مُّنِيبِينَ إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنۡهُ رَحۡمَةً إِذَا فَرِيقٌ۬ مِّنۡہُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ (٣٣) لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَـٰهُمۡ‌ۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ (٣٤) أَمۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَـٰنً۬ا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِۦ يُشۡرِكُونَ (٣٥) وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةً۬ فَرِحُواْ بِہَا‌ۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيہِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ‌ۚ إِنَّ فِى ذَٲلِكَ لَأَيَـٰتٍ۬ لِّقَوۡمٍ۬ يُؤۡمِنُونَ (٣٧)


(30) { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} أى بإتباع ملة إبراهيم وهى ملة الوصول الى الله من خلال العقل والفكر والتأمل، حينما يذكر القرآن ملة إبراهيم فإنه يتحدث عن صفات كثيرة لخليل الرحمن الذى أمر الله نبينا الكريم أن يتبعه { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ}  و من هذه الصفات ما يلى :

  • عبادة الله الواحد {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِۗ}.
  • التفكر فى ملكوت الله {وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}.
  • إكرام الضيف {فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}.
  • القنوت لله و التقرب إليه {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا}.
  • الشكر الدائم لنعم الله {شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }.
  • الحُلم و التسامح {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ}.
  • رد الإساءة بالإحسان وذلك يتجلى حين حاول أبو إبراهيم أن يرجمه فقال له “لأرجمنك” كان رد خليل الرحمن عليه هو قوله {سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} فلم يرد إبراهيم على العنف بالعنف لكن بالحلم والتسامح.
  • إستخدام الحجة لا العنف لإقناع الآخرين {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ}.
  • الفكر والتفكر للوصول الى الحقيقة فلو إتبع إبراهيم قومه دون أن يضع إحتمالاً أنهم خطأ لأصبح مثلهم ونرى فى قصة إبراهيم أنه وصل الى الله بفكره فعبد كوكباً ثم عبد القمر ثم عبد الشمس ثم وصل بعد ذلك لحقيقة الإله الواحد، أى أن إبراهيم مر بمراحل من الشرك قبل أن يصل الى الإيمان، ولو كان أحد المتشددين قتل إبراهيم حينما قال عن القمر هذا ربى لما عاش خليل الرحمن و لما أصبح أبا الأنبياء ومثلهم الأعلى .

ولقد قال القرآن { وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ}.


 فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُ ۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ‌ۚ ذَٲلِكَ خَيۡرٌ۬ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ‌ۖ وَأُوْلَـٰٓٮِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ (٣٨) وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن رِّبً۬ا لِّيَرۡبُوَاْ فِىٓ أَمۡوَٲلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرۡبُواْ عِندَ ٱللَّهِ‌ۖ وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن زَكَوٰةٍ۬ تُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰٓٮِٕكَ هُمُ ٱلۡمُضۡعِفُونَ (٣٩) ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمۡ ثُمَّ رَزَقَكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُڪُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ‌ۖ هَلۡ مِن شُرَكَآٮِٕكُم مَّن يَفۡعَلُ مِن ذَٲلِكُم مِّن شَىۡءٍ۬‌ۚ سُبۡحَـٰنَهُ ۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ (٤٠) ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِى ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ (٤١) قُلۡ سِيرُواْ فِى ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلُ‌ۚ كَانَ أَڪۡثَرُهُم مُّشۡرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ ٱلۡقَيِّمِ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِىَ يَوۡمٌ۬ لَّا مَرَدَّ لَهُ ۥ مِنَ ٱللَّهِ‌ۖ يَوۡمَٮِٕذٍ۬ يَصَّدَّعُونَ (٤٣)


(38) {حَقَّهُ} لم يعتبر الله تعالى ما نُعطى للمحتاج والمسكين منة منا بل هى حق له، فالإنسان كجزء من المجتمع عليه إلتزامات  وله حقوق، وقد  أمر الله تعالى بإعطاء الصدقات حتى لا يتم تداول المال بين الأغنياء فقط فيصل جزء منه الى الفقراء حتى يستطيعوا العيش بصورة كريمة و يأخذوا فرصة فى النجاح {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ}.

(39) {رِّبًا} التعامل المالى يتصف فى القرآن بالصفات الآتية كى يطلق عليه الربا

1 – أن يكون الربح أضعافاً مضاعفة {أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً}.

 2 – أن يحدد الربح من يقرض المال لا من يقترضه.

3- أن يكون فيه ظلم لآحد الأطراف {لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}.

((وأرباح بنوك هذا العصر ليست أضعاف مضاعفة و تتم برضاء جميع الأطراف المقرض و المقترض فلا إجبار فيها لأحد و يحدد البنك و هو المقترض فى أغلب الأحيان  قيمة الربح عكس الربا الذى يحدد فيه المُقرِض (أى المودعون) قيمة الربح و بالإضافة الى ذلك فإن قيمة العملة تقل وتضعف بمرور الوقت فليس عدلاً أن ترد الأموال نفسها كما كانت وقت الإقتراض، و بناء على ذلك نرى أن التعاملات البنكية الحديثة تتناقض تماماً مع مفهوم الربا وقت نزول القرآن حيث لم يكن يوجد نظام نقدى عالمى يحدد قيمة العملات وكان الربا هو إستغلال مٌرابى لحاجة الإنسان وهو فى وقت ضعف فيفرض القوى على الضعيف أرباحاً أضعافاً مضاعفة كى يستغل حاجته الى المال وذلك يعنى أن إستغلال حاجة إنسان وقت ضعفه – و ليس أخذ أرباح على ذلك المال – كان هو علة التحريم)).

(41) بالرغم ان الفعل {ظَهَرَ} المستخدم فى الآية هو فعل ماضى إلا أن مفهوم الآية هو مفهوم مستقبلى فلسان حال الآية يتكلم عن ظهور الفساد فى البر و البحر أو بمعنى آخر ظهوره فى الكرة الأرضية كنتيجة لتصرفات البشر والتى أفسدت البيئة، و نتعلم من الآية أن نحاول أن نحافظ على البيئة فى الكرة الأرضية والعمل على إصلاحها حتى لا نشارك فى فساد البر و البحر.

(42) من معانى الشرك التى علينا أن نكون على دراية بها هو أن يعبد الإنسان أهواءه {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ} فتكون نوازع الشر بداخله وأهواؤه التى تدعوه للظلم والبطش والأنانية هى المتحكمة فى تصرفاته وأفعاله، فعلينا الحذر من هذا النوع من الشرك وأن نقاومه لنجعل المحبة تنتصر على الكراهية داخل نفوسنا فننتصر بذلك على عدونا الحقيقى وهو الشيطان {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا}، والشيطان هو الذى يأمرنا بالعداوة و البغضاء.


مَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُ ۥ‌ۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَـٰلِحً۬ا فَلِأَنفُسِہِمۡ يَمۡهَدُونَ (٤٤) لِيَجۡزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِن فَضۡلِهِۦۤ‌ۚ إِنَّهُ ۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَـٰفِرِينَ (٤٥) وَمِنۡ ءَايَـٰتِهِۦۤ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٲتٍ۬ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِىَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ (٤٦)


(44) {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} نلاحظ إستخدام القرآن أحيانا تعبير {مَن كَفَر} وأحيانا {الْكَافِرِينَ} التعبير الأول ليعمم المعنى أما الثانى فيخصصه فى فئة بعينها و جدير بالذكر هنا أن جميع آيات القتال فى القرآن إستخدمت التعبير المعرّف مثل {الْكَافِرِينَ} و {الَّذِينَ كَفَرُوا} و {الْمُشْرِكِينَ} و{ الَّذِينَ أَشْرَكُوا } لكى تحدد المعنى فقط فى مشركى مكة الذين قاتلوا الرسول فى بدء الدعوة وعذبوا المؤمنين الآوائل و أخرجوهم من ديارهم.

و هذه الآية تستخدم تعبير {مَن كَفَر} فتقول أن {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أى أنها مسئوليته الشخصية، وحرية الإختيار بين الكفر والإيمان متروكة للإنسان {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} فلم تأمر الآية بقتاله أو إكراهه على أى عقيدة  بل أعطته مطلق الحق فى الإختيار وتحمل المسئولية، فتعبير{مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} يعنى أنكم لستم مسئولين عن كفر الآخرين أو عن إيمانهم و قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}. فكل إنسان كما قال القرآن مسئول عن نفسه و لايحق لأحد التدخل فى إختيارالآخرين لعقيدتهم.

 ومن الجدير بالذكر هنا أن كلمة {كَفَر} جاءت بعدة معان فى القرآن وليس فقط بمعنى عدم الإيمان بالله كما يظن البعض و هذه بعض المعانى المذكورة فى القرآن

المعنى الأول : هو الظلم {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} فظلم الآخرين أو ظلم الزوجة أو ظلم أى إنسان ضعيف هو نوع من أنواع الكفر.

 المعنى الثانى: إتخاذ إله غير الخالق{وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم}.

المعنى الثالث : عدم إحترام المعاهدات والمواثيق كما فى{أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ} (أى لا عهود لهم). –

المعنى الرابع : التلاعب بآيات الله للمصالح الشخصية مثل تغيير وقت الأشهر الحرم حتى يبيح الإنسان لنفسه القتال فى تلك الشهور التى حُرم فيها القتال {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} والنسئ هو تأخير الأشهر الحرم وكان البعض يفعله حتى يتسنى لهم القتال فى الأشهر الحرم.

 المعنى الخامس : عدم الشكر لله على نعمه {إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}.

 المعنى السادس :هو الإفساد فى الأرض بأن يدمر الإنسان نعمة الله وينشر بدلاً منها الفقر والجهل والظلم و الجوع {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ}.

 المعنى السابع :  أن كل من يؤمن بالله ويرفض الظلم والطغيان فهو”كافر” بالطاغوت الذى هو رمز للشر

{فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ }..

وعلينا دائماً التأكيد على أن القرآن الكريم أعطى الإنسان الحرية أن يكون كافراً أو يكون مؤمناً فقال تعالى {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}, فلا يحق لإنسان ما أن يمنع غيره من البشر من حق أعطاه الله لهم، فمنع الناس من حرية الإختيار أو إجبارهم على مفهوم معين للدين هو خروج عن ملة الإسلام و محاربة للقرآن الكريم ومبادئه.

(45) {الْكَافِرِينَ} نلاحظ إستخدام “أل” التعريف لتحديد الكلام فى مشركى مكة الذين قاتلوا الرسول والذين معه وأخرجوهم من ديارهم لا لشئ إلا أنهم يدعون لدين يختلف عن دينهم وعقيدة ترفض أفكارهم وعقيدتهم، وعلينا تفادى إضطهاد غيرنا بسبب فكرهم أو عقيدتهم وإلا أصبحنا مثل هؤلاء الكافرين المذكورين فى الآية، وقارن بين كلمة {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ}  فى الآية السابقة وبين كلمة {الْكَافِرِينَ} فى هذه الآية، فالأولى تعمم المعنى على كل من كفر أما الثانية تتكلم عن أناس بعينهم.


وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَـٰتِ فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ‌ۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ (٤٧) ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرۡسِلُ ٱلرِّيَـٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابً۬ا فَيَبۡسُطُهُ ۥ فِى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ يَشَآءُ وَيَجۡعَلُهُ ۥ كِسَفً۬ا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَـٰلِهِۦ‌ۖ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۤ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ (٤٨) وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡهِم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمُبۡلِسِينَ (٤٩) فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَـٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ ڪَيۡفَ يُحۡىِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِہَآ‌ۚ إِنَّ ذَٲلِكَ لَمُحۡىِ ٱلۡمَوۡتَىٰ‌ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىۡءٍ۬ قَدِيرٌ۬ (٥٠) وَلَٮِٕنۡ أَرۡسَلۡنَا رِيحً۬ا فَرَأَوۡهُ مُصۡفَرًّ۬ا لَّظَلُّواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ يَكۡفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ (٥٢) وَمَآ أَنتَ بِهَـٰدِ ٱلۡعُمۡىِ عَن ضَلَـٰلَتِهِمۡ‌ۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَـٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ (٥٣) ۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٍ۬ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٍ۬ قُوَّةً۬ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ۬ ضَعۡفً۬ا وَشَيۡبَةً۬‌ۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ‌ۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ (٥٤)


  (47) تؤكد هذه الآية على حقيقة قرآنية وهى ان الله لم يهلك الأمم السابقة لأجل فكرهم أو عقيدتهم فقط كما يظن البعض بل أساسا لأجل جرائمهم و ظلمهم لغيرهم {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ}، فنلاحظ أن الله لم يهلك قوم إبراهيم حتى حاولوا حرقه {فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ} ولم يهلك فرعون إلا لأنه إستضعف بنى إسرائيل {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ} وهدد موسى بالقتل {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ} ولم يهلك قوم لوط حتى طردوه من قريته {قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} وذلك الأمر يتكرر مع معظم الأقوام السابقة فكان إهلاكهم أساساً بسبب ظلمهم و إجرامهم و محاولاتهم قتل أوتعذيب الرسل ودعاة الإصلاح وكما قال تعالى {وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}.

 (48-54) آيات الله فى خلقه تتحدث عن قدرته وعظمته فى كل وقت و فى كل حين ولكنها العين التى ترى والأذن التى تسمع فتدرك قدرة الله حواليها فى كل مكان، والقرآن فى هذه الآيات يرسم لنا هذه الصورة فيعرض الكثير من الآيات والعجائب فى الخلق لنتفكر فيها {وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} وفى هذا السياق نذكر أيضاً قوله تعالى :

 {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ –  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ}.


 وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقۡسِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيۡرَ سَاعَةٍ۬‌ۚ كَذَٲلِكَ كَانُواْ يُؤۡفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَٱلۡإِيمَـٰنَ لَقَدۡ لَبِثۡتُمۡ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡبَعۡثِ‌ۖ فَهَـٰذَا يَوۡمُ ٱلۡبَعۡثِ وَلَـٰكِنَّڪُمۡ كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ (٥٦) فَيَوۡمَٮِٕذٍ۬ لَّا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعۡذِرَتُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ۬‌ۚ وَلَٮِٕن جِئۡتَهُم بِـَٔايَةٍ۬ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ ڪَفَرُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُبۡطِلُونَ (٥٨) كَذَٲلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ (٥٩) فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقٌّ۬‌ۖ وَلَا يَسۡتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)


(55-57) {الَّذِينَ ظَلَمُوا} يذكرنا القرآن الكريم بخطورة الظلم وهو كما ذكر القرآن من الموبقات فى جهنم {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا}، فعلينا أن نتق الله فى كل أفعالنا مع جميع من حولنا من البشر سواء مع أسرنا أو أهلنا أو غيرهم فلا نظلم أحداً حتى لا نستوجب غضب الله، وقبل أن نفعل أى شئ علينا أن نسأل ضمائرنا هل فيما نفعل ظلم لإنسان ما أم لا؟ و لنضع أنفسنا دائما مكان الطرف الآخر حتى نستشعر هل هذا التصرف سيظلمه أم لا، وليس معنى أن شيئاً حلالاً أن فعله ليس ظلماً فمثلاً قد يرى إنسان أن زواجه من زوجة ثانية حلالاً لكنه قد يكون ظلماً للزوجة الأولى التى وقفت بجانبه طوال حياته وضحت معه حتى وصل الى ما وصل إليه اليوم من نجاح، وفى هذه الحالة فإن الإصرار على الظلم يحبط عمل الإنسان {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} ويعرض الإنسان للعذاب يوم الدين {وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ}.

أضف تعليق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى