القران الكريم

سورة الزّخرُف

الزّخرُف

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

حمٓ (١) وَٱلۡكِتَـٰبِ ٱلۡمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلۡنَـٰهُ قُرۡءَٲنًا عَرَبِيًّ۬ا لَّعَلَّڪُمۡ تَعۡقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ ۥ فِىٓ أُمِّ ٱلۡكِتَـٰبِ لَدَيۡنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضۡرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّڪۡرَ صَفۡحًا أَن ڪُنتُمۡ قَوۡمً۬ا مُّسۡرِفِينَ (٥) وَكَمۡ أَرۡسَلۡنَا مِن نَّبِىٍّ۬ فِى ٱلۡأَوَّلِينَ (٦)


(3) {تَعْقِلُونَ} إستخدام العقل والفكر هو واحد من أهم مبادئ القرآن كما فى الآيات التالية : {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}, {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ}, {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، ولم يعاتب الله تعالى الناس قبل عقاب يوم القيامة إلا بقوله {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ}، وقد عتب الله تعالى على بعض الأمم السابقة على إتباع آبائهم كالعميان دون أن يفكروا أو يعملوا عقولهم {بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}.

(5) {الذِّكْرَ} سميت الكتب السماوية مثل التوراة والقرآن بالذكر لأنها تذكر الإنسان بضميره الذى أوجده الله به ليفرق به بين الخير والشر.


وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن نَّبِىٍّ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَہۡزِءُونَ (٧) فَأَهۡلَكۡنَآ أَشَدَّ مِنۡہُم بَطۡشً۬ا وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلۡأَوَّلِينَ (٨) وَلَٮِٕن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡعَلِيمُ (٩) ٱلَّذِى جَعَلَ لَڪُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدً۬ا وَجَعَلَ لَكُمۡ فِيہَا سُبُلاً۬ لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ (١٠) وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٍ۬ فَأَنشَرۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةً۬ مَّيۡتً۬ا‌ۚ كَذَٲلِكَ تُخۡرَجُونَ (١١) وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٲجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡفُلۡكِ وَٱلۡأَنۡعَـٰمِ مَا تَرۡكَبُونَ (١٢)


(7) السخرية من كل فكر جديد أومخالف لفكر المجتمع وعقيدته الدينية كان سمة الكافرين فى تلك العصور الغابرة وعلينا أن نتعلم من ذلك فلا نفعل مثلهم و نسخر من الآخرين إن كانوا يؤمنون بما يخالف ما وجدنا عليه آباءنا.

(8) {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا} اللغة الأخرى التى كانت تستخدمها تلك الأقوام الظالمة مع من يخالف فكرهم وعقائدهم هى لغة البطش والعنف وذلك (بالإضافة الى السخرية كما رأينا فى الآية السابقة)، فمن يستخدم العنف والبطش مع من يخالفونهم فى الرأى أو الفكر أو العقيدة فلا يفرق شيئاً عن هؤلاء الظالمين، ولذا فعلينا أن نتعلم أن نحترم حق كل من يخالفنا فى الفكر فى أن يؤمن بما يشاء فذلك حق إلهى أعطاه الله له فكما قال تعالى {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}، ولنقارن سوياً بين خٌلقْ من سماهم القرآن {الْكَافِرِينَ} و {الْمُشْرِكِينَ} وعرفهم بالألف واللأم حين كان يأتيهم أحد بفكر يخالف عقائدهم أو دينهم و بين رد الفعل الذى أمر به الرسول إن كذبه الناس وعلينا أن نختار أى الفريقين نتيع مع من يخالفنا فى الرأى و هذه بعض الأمثلة :

 إبراهيم {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ}, موسى {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ}, سحرة فرعون {لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ}, شعيب {وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ}, محمد و من معه {قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ}.

 ولنقارن بين الوحشية والعنف التى كان يستخدمها هؤلاء الظالمون لقهر من يرفض إتباع عقيدتهم وبين ما أمرنا الله به فى القرآن ولنا المثل فيما قاله الله لرسوله {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ}, {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} وهذا هو خلق الأنبياء والأسوة الحسنة التى أمرنا الله بإتباعه { لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}.


لِتَسۡتَوُ ۥاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ رَبِّكُمۡ إِذَا ٱسۡتَوَيۡتُمۡ عَلَيۡهِ وَتَقُولُواْ سُبۡحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا ڪُنَّا لَهُ ۥ مُقۡرِنِينَ (١٣) وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ (١٤) وَجَعَلُواْ لَهُ ۥ مِنۡ عِبَادِهِۦ جُزۡءًا‌ۚ إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ لَكَفُورٌ۬ مُّبِينٌ (١٥) أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخۡلُقُ بَنَاتٍ۬ وَأَصۡفَٮٰكُم بِٱلۡبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحۡمَـٰنِ مَثَلاً۬ ظَلَّ وَجۡهُهُ ۥ مُسۡوَدًّ۬ا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِى ٱلۡحِلۡيَةِ وَهُوَ فِى ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٍ۬ (١٨) وَجَعَلُواْ ٱلۡمَلَـٰٓٮِٕكَةَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عِبَـٰدُ ٱلرَّحۡمَـٰنِ إِنَـٰثًا‌ۚ أَشَهِدُواْ خَلۡقَهُمۡ‌ۚ سَتُكۡتَبُ شَهَـٰدَتُہُمۡ وَيُسۡـَٔلُونَ (١٩) وَقَالُواْ لَوۡ شَآءَ ٱلرَّحۡمَـٰنُ مَا عَبَدۡنَـٰهُم‌ۗ مَّا لَهُم بِذَٲلِكَ مِنۡ عِلۡمٍ‌ۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ (٢٠) أَمۡ ءَاتَيۡنَـٰهُمۡ ڪِتَـٰبً۬ا مِّن قَبۡلِهِۦ فَهُم بِهِۦ مُسۡتَمۡسِكُونَ (٢١) بَلۡ قَالُوٓاْ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ۬ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّهۡتَدُونَ (٢٢) وَكَذَٲلِكَ مَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِى قَرۡيَةٍ۬ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ۬ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ (٢٣) ۞ قَـٰلَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكُم بِأَهۡدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمۡ عَلَيۡهِ ءَابَآءَكُمۡ‌ۖ قَالُوٓاْ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ (٢٤) فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡہُمۡ‌ۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ (٢٥) وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٲهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦۤ إِنَّنِى بَرَآءٌ۬ مِّمَّا تَعۡبُدُونَ (٢٦) إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُ ۥ سَيَہۡدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةَۢ بَاقِيَةً۬ فِى عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ (٢٨) بَلۡ مَتَّعۡتُ هَـٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ وَرَسُولٌ۬ مُّبِينٌ۬ (٢٩) وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحۡرٌ۬ وَإِنَّا بِهِۦ كَـٰفِرُونَ (٣٠) وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ۬ مِّنَ ٱلۡقَرۡيَتَيۡنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَ‌ۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَہُم مَّعِيشَتَہُمۡ فِى ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا‌ۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَہُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٍ۬ دَرَجَـٰتٍ۬ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُہُم بَعۡضً۬ا سُخۡرِيًّ۬ا‌ۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٌ۬ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ (٣٢) وَلَوۡلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً۬ وَٲحِدَةً۬ لَّجَعَلۡنَا لِمَن يَكۡفُرُ بِٱلرَّحۡمَـٰنِ لِبُيُوتِہِمۡ سُقُفً۬ا مِّن فِضَّةٍ۬ وَمَعَارِجَ عَلَيۡہَا يَظۡهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِہِمۡ أَبۡوَٲبً۬ا وَسُرُرًا عَلَيۡہَا يَتَّكِـُٔونَ (٣٤) وَزُخۡرُفً۬ا‌ۚ وَإِن ڪُلُّ ذَٲلِكَ لَمَّا مَتَـٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا‌ۚ وَٱلۡأَخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِينَ (٣٥) وَمَن يَعۡشُ عَن ذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ نُقَيِّضۡ لَهُ ۥ شَيۡطَـٰنً۬ا فَهُوَ لَهُ ۥ قَرِينٌ۬ (٣٦) وَإِنَّہُمۡ لَيَصُدُّونَہُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّہُم مُّهۡتَدُونَ (٣٧) حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَـٰلَيۡتَ بَيۡنِى وَبَيۡنَكَ بُعۡدَ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرِينُ (٣٨)


(13)  تسخير الأنعام لنا هى واحده من الآيات الإلهية فالأنعام بالرغم من كونها فى غاية القوة البدنية فقد جعلها الله مُسخرة لنا من خلال مواد عضوية و بيولوجية فى أدمغتها مثل الإندورفينات والتى تعمل كمواد مخدرة داخل المخ.

(15) {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} كما ذكر فى تفسير الشوكانى أن الجزء عند أهل العربية هو ” البنات ” يقال ” أجزأت المرأة إذا ولدت البنات “, ومنه قول الشاعر العربى ” إن أجزأت حرة يوماً فلا عجبُ – قد تجزى الحرة المذكار أحياناً ” (وقد روى هذا التفسير اللغوى الجزاج و المبرد وهما إماما اللغة العربية و حافظاها وكما قال الشوكانى من وإليهما المنتهى فى معرفتها)، و يؤيد تفسير كلمة ” الجزء ” فى الآية بمعنى البنات الآيات التالية فى السياق مثل {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ}, {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ}, {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا ۚ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ}.

(19) {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} تعلمنا هذه الآية ألا نفتى بشئ بدون دليل عليه، وقد عاتب القرآن هؤلاء الذين أدعوا أن الملائكة إناث بقوله {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} فهو قبل أن يعاتبهم على المعلومة نفسها عاتبهم على طريقة الوصول إليها بالإفتاء بدون برهان أو دليل فوجود الدليل والرهان هو من أهم الأساليب العلمية فى التفكير لدرجة أن الله تعالى يجعل وجود البرهان هو الدليل على الصدق {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.

(22-23) نتعلم من هاتين الآيتين عدم إتباع ما وجدنا عليه آباءنا بدون تفكير فيه، فها هو الله يعاتب تلك الأمم على إتباع أسلافهم بصورة عمياء { بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ}، فكون البعض سابقون لعصرنا أو سلف لنا لا يعنى أنهم لم يكونوا على خطأ أو أنهم بالضرورة على صواب، فعلى سبيل المثال لو فعل إبراهيم عليه السلام نفس الشئ فإتبع فكر آبائه وأجداده السالفين لظل يعبد الأصنام ولما توصل عقله الى عبادة الله الواحد.

(24) تعملنا هذه الآية سماع آراء الآخرين وو جهة نظرهم قبل الحكم عليها فالله تعالى فى هذه الآية يعاتب على هؤلاء الذين رفضوا ما جاء به الرسل دون حتى سماع ما يقولون، فقالوا الى الأنبياء {قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ} دون أن يتركوا لهم فرصة ليستمعوا إليهم، وعلينا ألا نفعل مثل هؤلاء أو بمعنى آخرعلينا أن نعطى لأنفسنا الفرصة لنسمع للفكر المخالف و نحلله وننقده نقد موضوعى.

 (32) {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} يعطى الله تعالى مواهب مختلفة ويختبر ماذا سيفعلون بها , فمن إستخدمها فى الطغيان والتكبر والظلم فهو آثم، والدرجات فى الآية لا تعنى بالضرورة أموالاً فقد تكون علماً وقد تكون مواهب فنية أو إبداعية أو بدنية أو فكرية أو ثقافية , فقد يكون الأنسان مرتفعاً عن آخر فى درجة وأقل فى الآخرى.


وَلَن يَنفَعَڪُمُ ٱلۡيَوۡمَ إِذ ظَّلَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ فِى ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ أَوۡ تَہۡدِى ٱلۡعُمۡىَ وَمَن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍ۬ مُّبِينٍ۬ (٤٠) فَإِمَّا نَذۡهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنۡہُم مُّنتَقِمُونَ (٤١) أَوۡ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِى وَعَدۡنَـٰهُمۡ فَإِنَّا عَلَيۡہِم مُّقۡتَدِرُونَ (٤٢) فَٱسۡتَمۡسِكۡ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيۡكَ‌ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٲطٍ۬ مُّسۡتَقِيمٍ۬ (٤٣) وَإِنَّهُ ۥ لَذِكۡرٌ۬ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَ‌ۖ وَسَوۡفَ تُسۡـَٔلُونَ (٤٤)


(39) {إِذ ظَّلَمْتُمْ} يذكرنا القرآن دائماً بخطورة الظلم وكيف أنه من أبشع الجرائم التى تودى الإنسان بجهنم وعلى الإنسان أن يراجع ضميره فى كل عمل يعمله حتى لا يظلم أحداً، فليس كل ما نراه حلالاً مباحاً عمله فقد يكون فعله فيه ظلم لآخر، فمثلا إن شرب كوب ماء نراه حلالاً لكن إذا كان ذلك سيتسبب فى موت إنسان عطشاً فإن شرب هذا الماء و ترك هذا الإنسان يموت عطشاً قد أصبح فى هذه الحالة حراماً لأنه سيؤدى الى قتل نفس، ولذا فعلينا أن نتعلم أن نعمل ضمائرنا قبل فعل أى شئ و نتحرى إن كان فيه ظلم لأحد أم لا، فبدلاً من أن نحكم على الأشياء كما نفعل فى الكثير من الأحيان بمنطق هل هى حلال أم حرام فعلينا قبل ذلك أن نحكم عليها إن كان فيها ظلم لأحد أم لا؟

(44) { وَإِنَّهُ } الهاء هنا تعود على القرآن.


وَسۡـَٔلۡ مَنۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ءَالِهَةً۬ يُعۡبَدُونَ (٤٥) وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَقَالَ إِنِّى رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَآءَهُم بِـَٔايَـٰتِنَآ إِذَا هُم مِّنۡہَا يَضۡحَكُونَ (٤٧) وَمَا نُرِيهِم مِّنۡ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَڪۡبَرُ مِنۡ أُخۡتِهَا‌ۖ وَأَخَذۡنَـٰهُم بِٱلۡعَذَابِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ (٤٨) وَقَالُواْ يَـٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهۡتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡہُمُ ٱلۡعَذَابَ إِذَا هُمۡ يَنكُثُونَ (٥٠) وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِى قَوۡمِهِۦ قَالَ يَـٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِى مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَـٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَـٰرُ تَجۡرِى مِن تَحۡتِىٓ‌ۖ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ (٥١) أَمۡ أَنَا۟ خَيۡرٌ۬ مِّنۡ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ۬ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوۡلَآ أُلۡقِىَ عَلَيۡهِ أَسۡوِرَةٌ۬ مِّن ذَهَبٍ أَوۡ جَآءَ مَعَهُ ٱلۡمَلَـٰٓٮِٕڪَةُ مُقۡتَرِنِينَ (٥٣) فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُ ۥ فَأَطَاعُوهُ‌ۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمً۬ا فَـٰسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَـٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلۡنَـٰهُمۡ سَلَفً۬ا وَمَثَلاً۬ لِّلۡأَخِرِينَ (٥٦)


(45)  علاقة الرسول برسل الله السابقين هى علاقة إقتداء بهم وتعلم منهم و إتباع لهداهم، فكما ذكر الله فى حديث موجه للرسول عليه السلام قال له فيه {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}, وقال أيضاً {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا} و {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} و {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} وهذه الآيات ترينا كيف أن الرسول عليه السلام أُمر بالتعلم من والإقتداء بهؤلاء الرسل.

(52) قيل أن الله إختار موسى برغم و جود مشكلة عنده فى الكلام و لم يخترهارون ليرسله الى فرعون برغم فصاحته، وكان ذلك حتى لا يظن بنو إسرائيل بعد ذلك أن بلاغة موسى أومواهبه الشخصية هى السبب فى نجاتهم فلا ينسب بنو إسرائيل بعد ذلك الفضل فى نجاتهم من فرعون الى أى بشر وينسبوه دائماً الى الله الواحد الأحد، وهنا نذكر قوله تعالى حينما خاطب موسى فرعون فكان رد الثانى {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (وهى من البيان أى أن نطق موسى لا يكاد يفهم)}.


 ۞ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوۡمُكَ مِنۡهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوٓاْ ءَأَٲلِهَتُنَا خَيۡرٌ أَمۡ هُوَ‌ۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاَۢ‌ۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنۡ هُوَ إِلَّا عَبۡدٌ أَنۡعَمۡنَا عَلَيۡهِ وَجَعَلۡنَـٰهُ مَثَلاً۬ لِّبَنِىٓ إِسۡرَٲٓءِيلَ (٥٩) وَلَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَا مِنكُم مَّلَـٰٓٮِٕكَةً۬ فِى ٱلۡأَرۡضِ يَخۡلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ ۥ لَعِلۡمٌ۬ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمۡتَرُنَّ بِہَا وَٱتَّبِعُونِ‌ۚ هَـٰذَا صِرَٲطٌ۬ مُّسۡتَقِيمٌ۬ (٦١) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَـٰنُ‌ۖ إِنَّهُ ۥ لَكُمۡ عَدُوٌّ۬ مُّبِينٌ۬ (٦٢) وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَـٰتِ قَالَ قَدۡ جِئۡتُكُم بِٱلۡحِكۡمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِى تَخۡتَلِفُونَ فِيهِ‌ۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّى وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُ‌ۚ هَـٰذَا صِرَٲطٌ۬ مُّسۡتَقِيمٌ۬ (٦٤) فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِہِمۡ‌ۖ فَوَيۡلٌ۬ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةً۬ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ (٦٦) ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَٮِٕذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ (٦٧) يَـٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ (٦٨) ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِـَٔايَـٰتِنَا وَڪَانُواْ مُسۡلِمِينَ (٦٩) ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ أَنتُمۡ وَأَزۡوَٲجُكُمۡ تُحۡبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيۡہِم بِصِحَافٍ۬ مِّن ذَهَبٍ۬ وَأَكۡوَابٍ۬‌ۖ وَفِيهَا مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُ‌ۖ وَأَنتُمۡ فِيهَا خَـٰلِدُونَ (٧١)


(57-64) ذكر القرآن المسيح بثلاثة أسماء ” عِيسَى– ابْنَ مَرْيَمَ – الْمَسِيحُ ” ووصفه بثلاثة صفات ” رَسُولُ اللَّهِ  – كَلِمَتُهُ – رُوحٌ مِّنْهُ ” وقد ذكر القرآن أن مجئ المسيح مرة أخرى سيتم قبل قيام الساعة فقال عنه {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ}، وذكر عن المسيح ما لم يذكر فى غيره من الرسل, فذكر أنه يَخلِق {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ} وذكر أنه يحيى الموتى {وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ}, وولد من غير أب بشرى {فَنَفَخْنَا فِيهَا (العذراء مريم) مِن رُّوحِنَا} وأُيد بروح القدس {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ}، وذكر عن رسول الله أنه قال ” كل إبن آدم مسه مس من الشيطان إلا عيسى أبن مريم “، وقد إختلف الأحزاب (أى الطوائف والفرق) من بعد موت المسيح و صعوده للذات الإلهية {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ} فإختلفوا فى حقيقته وصفاته، والبعض  إتبع  تعاليمة السلمية الرائعة وهؤلاء قال فيهم الله {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}, والبعض لم يتبع تعاليم المحبة والسلام التى جاء بها وهؤلاء قيل فيهم كما فى الآيات المذكورة {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.


 وَتِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِىٓ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ (٧٢) لَكُمۡ فِيہَا فَـٰكِهَةٌ۬ كَثِيرَةٌ۬ مِّنۡهَا تَأۡكُلُونَ (٧٣) إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنۡهُمۡ وَهُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمۡنَـٰهُمۡ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّـٰلِمِينَ (٧٦) وَنَادَوۡاْ يَـٰمَـٰلِكُ لِيَقۡضِ عَلَيۡنَا رَبُّكَ‌ۖ قَالَ إِنَّكُم مَّـٰكِثُونَ (٧٧) لَقَدۡ جِئۡنَـٰكُم بِٱلۡحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَكُمۡ لِلۡحَقِّ كَـٰرِهُونَ (٧٨) أَمۡ أَبۡرَمُوٓاْ أَمۡرً۬ا فَإِنَّا مُبۡرِمُونَ (٧٩) أَمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّا لَا نَسۡمَعُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَٮٰهُم‌ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيۡہِمۡ يَكۡتُبُونَ (٨٠)


(72) {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} نتعلم من هذه الآية أن دخول الجنة ليس بقول كلمات الإيمان باللسان وإنما هو أساساً بالأعمال الصالحة {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.

(74) {الْمُجْرِمِينَ} هم الذين يستخدمون العنف وينشرون الفزع بين الناس ويروعون الآمنين كما يفعل الإرهابيون فى أماكن كثيرة فى العالم، ويعقد القرآن فى آية أخرى مقابلة بين المسلمين والمجرمين {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}, ونلاحظ أن عكس كلمة المسلمين هى كلمة المجرمين وليس الكافرين، فالمسلمون هم من يعيشون فى سلام مع الآخرين ويصنعونه ومن يفعل غير ذلك فهم من المجرمين، وعلى ذلك فمن يرتكب الجرائم المذكورة فهو ليس بمسلم ولا علاقة له بالإسلام.


قُلۡ إِن كَانَ لِلرَّحۡمَـٰنِ وَلَدٌ۬ فَأَنَا۟ أَوَّلُ ٱلۡعَـٰبِدِينَ (٨١) سُبۡحَـٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرۡهُمۡ يَخُوضُواْ وَيَلۡعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّمَآءِ إِلَـٰهٌ۬ وَفِى ٱلۡأَرۡضِ إِلَـٰهٌ۬‌ۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ (٨٤) وَتَبَارَكَ ٱلَّذِى لَهُ ۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَعِندَهُ ۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ (٨٥) وَلَا يَمۡلِكُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلَّا مَن شَہِدَ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ (٨٦) وَلَٮِٕن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَهُمۡ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ‌ۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ (٨٧)


(81-82)  فهم كلمة ” إبن ” بصورة مادية أى بمعنى أن الله تزوج و أنجب من أمرأة كما نفعل نحن هو مفهوم مرفوض فى القرآن و عند الكثيرين {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ}، أما إن فهمها البعض بمعنى مجازى يفيد أن المسيح كلمة الله و روح منه فإن هذا المفهوم لا يختلف كثيراً عن مفهوم القرآن للمسيح { إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ }، وفى حقيقة الأمر فإن ما يهم فى الكلمات هو مفهومها وليس فقط أحرفها فلو فهم أحد مثلاً تعبير و{وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} والمذكور فى القرآن بأن الله محدود فقط فى داخل هذا المكان ” الكعبة ” فقد خالف مفهوم القرآن للإله أما إن فهم كلمة ” بيتى ” بصورة مجازية بمعنى أنه مكان يستضيف الله فيه عباده ليعبدوه فالأمر يختلف تماماً و يتفق مع مفهوم القرآن للخالق وكذلك الحال فإن غيرنا من أتباع الديانات الآخرى يفهمون بعض الكلمات والمعانى فى كتبهم بصورة مجازية وليس حرفية، كما أن لدينا تعبيرات مجازية فى ديننا مثل {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} و {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} و {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} فنحن ايضاً نفهم كل هذه التعبيرات بمعنى مجازى و ليس حرفياً، والإختلاف فى المفاهيم الدينية قد يتسبب أحياناً فى بعض المشاكل و سماع مفهوم الآخر وكيف يرى الأشياء قد يفتح المجال لتقارب الأفكار أو يقلل من حدة الإختلاف فقد يظن البعض خطأً أننا نعبد الكعبة لأننا نتجه إليها وقت الصلاة فى حين أننا لا نرى الكعبة إلا رمزاً لتوحيد الناس على قبلة واحدة، ولو سألنا أحد عن حقيقة مفهومنا عن الكعبة وسمعه منا فسيعرف أننا لا نتعبد الى حجر على الإطلاق و أن الأمر لا يعدو أن يكون رمزاً، وكذلك الحال فقد نظن خطأ أن غيرنا من أهل الديانات الأخرى له مفهوم معين فى حين أننا لو سمعنا منه حقيقة مفهومه فقد يتبين لنا أنه يفكر بطريقة مختلفة تماماً عما كنا نظن، وفى نهاية الأمر فسواء أتفقنا مع مفهوم الآخرين أم لا فإن هذا لا يغير من الحقيقة القرآنية أنه ليس من حقنا حساب الآخرين لأن هذا حق لله وحده {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ *  ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم } و من الحقيقة القرآنية أننا علينا معاملة الآخرين بالحسنى طالما لم يقاتلونا فى الدين ولم يخرجونا من ديارنا ولم يظاهروا على إخراجنا :

  {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *  إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }.


 وَقِيلِهِۦ يَـٰرَبِّ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٌ۬ لَّا يُؤۡمِنُونَ (٨٨) فَٱصۡفَحۡ عَنۡہُمۡ وَقُلۡ سَلَـٰمٌ۬‌ۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ (٨٩)


(89) أمر اللهُ الرسولَ أن يرد على هؤلاء الذين كذبوه و إضطهدوه بأن يصفح عنهم و يمد لهم يد السلام {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ}.

أضف تعليق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى