القران الكريم

سورة الفُرقان

سُوۡرَةُ الفُرقان

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَـٰلَمِينَ نَذِيرًا (١) ٱلَّذِى لَهُ ۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدً۬ا وَلَمۡ يَكُن لَّهُ ۥ شَرِيكٌ۬ فِى ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ ڪُلَّ شَىۡءٍ۬ فَقَدَّرَهُ ۥ تَقۡدِيرً۬ا (٢) وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦۤ ءَالِهَةً۬ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـًٔ۬ا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرًّ۬ا وَلَا نَفۡعً۬ا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتً۬ا وَلَا حَيٰوةً وَلَا نُشُورً۬ا (٣) وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَـٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَٮٰهُ وَأَعَانَهُ ۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَ‌ۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمً۬ا وَزُورً۬ا (٤) وَقَالُوٓاْ أَسَـٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱڪۡتَتَبَهَا فَهِىَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُڪۡرَةً۬ وَأَصِيلاً۬ (٥) قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِى يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضِ‌ۚ إِنَّهُ ۥ ڪَانَ غَفُورً۬ا رَّحِيمً۬ا (٦) وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡڪُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِى فِى ٱلۡأَسۡوَاقِ‌ۙ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٌ۬ فَيَكُونَ مَعَهُ ۥ نَذِيرًا (٧) أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ ڪَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُ ۥ جَنَّةٌ۬ يَأۡڪُلُ مِنۡهَا‌ۚ وَقَالَ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً۬ مَّسۡحُورًا (٨) ٱنظُرۡ ڪَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَـٰلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلاً۬ (٩) تَبَارَكَ ٱلَّذِىٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيۡرً۬ا مِّن ذَٲلِكَ جَنَّـٰتٍ۬ تَجۡرِى مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ وَيَجۡعَل لَّكَ قُصُورَۢا (١٠)


(1){الْفُرْقَان} قيل هو القرآن وسمى الفرقان لأنه يفرق بين الحق والباطل.

(2) فهم كلمة ” إبن ” بصورة مادية أى بمعنى أن الله تزوج و أنجب من أمرأة كما نفعل نحن هو مفهوم مرفوض فى القرآن {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ}، أما إن فهمها البعض بمعنى مجازى يفيد أن المسيح كلمة الله و روح منه فإن هذا المفهوم لا يختلف كثيراً عن مفهوم القرآن للمسيح { إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ }، وفى حقيقة الأمر فإن ما يهم فى الكلمات هو مفهومها وليس فقط أحرفها فلو فهم أحد مثلاً تعبير و{وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} والمذكور فى القرآن بأن الله محدود فقط فى داخل هذا المكان ” الكعبة ” فقد خالف مفهوم القرآن للإله أما إن فهم كلمة ” بيتى ” بصورة مجازية بمعنى أنه مكان يستضيف الله فيه عباده ليعبدوه فالأمر يختلف تماماً و يتفق مع مفهوم القرآن للخالق وكذلك الحال فإن غيرنا من أتباع الديانات الآخرى يفهمون بعض الكلمات والمعانى فى كتبهم بصورة مجازية وليس حرفية، كما أن لدينا تعبيرات مجازية فى ديننا مثل {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} و{وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} و{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} فنحن ايضاً نفهم كل هذه التعبيرات بمعنى مجازى و ليس حرفياً. والإختلاف فى المفاهيم الدينية قد يتسبب أحياناً فى بعض المشاكل و لذا فسماع مفهوم الآخر وكيف يرى الأشياء قد يفتح المجال لتقارب الأفكار أو يقلل من حدة الإختلاف فقد يظن البعض خطأً أننا نعبد الكعبة لأننا نتجه إليها وقت الصلاة فى حين أننا لا نرى الكعبة إلا رمزاً لتوحيد الناس على قبلة واحدة، ولو سألنا أحد عن حقيقة مفهومنا عن الكعبة وسمعه منا فسيعرف أننا لا نتعبد الى حجر على الإطلاق و أن الأمر لا يعدو أن يكون رمزاً. وكذلك الحال فقد نظن خطأ أن غيرنا من أهل الديانات الأخرى له مفهوم معين فى حين أننا لو سمعنا منه حقيقة مفهومه فقد يتبين لنا أنه يفكر بطريقة مختلفة تماماً عما كنا نظن، وفى نهاية الأمر فسواء أتفقنا مع مفهوم الآخرين أم لا فإن هذا لا يغير من الحقيقة القرآنية أنه ليس من حقنا حساب الآخرين لأن هذا حق لله وحده {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ *  ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم } و من الحقيقة القرآنية أننا علينا معاملة الآخرين بالحسنى طالما لم يقاتلونا فى الدين ولم يخرجونا من ديارنا ولم يظاهروا على إخراجنا :

  {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}.

(6-9) { وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ } كان مشركو مكة ينتظرون أن يبعث الله لهم شخصاً فوق البشر حتى يؤمنوا به فجاء هذا الرد القرآنى ليؤكد على بشرية الرسول فهو جاء لا لنعبده أو لنقدسه بل لنعبد الله الواحد الأحد الذى لا شريك له فى ملكه، وهناك أكثر من آية تدلل على بشرية الرسول مثل {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} و{قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا}  فمن قدس محمداً بصورة تجعله فوق البشر فقد خالف صريح القرآن وأشرك بالله عز وجل وقد صاغ  ذلك الصديق ابو بكر بعد وفاة الرسول عليه السلام حين قال ” من كان يعبد محمداً فإن محمد قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت “.


 بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ‌ۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِمَن ڪَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتۡهُم مِّن مَّكَانِۭ بَعِيدٍ۬ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظً۬ا وَزَفِيرً۬ا (١٢) وَإِذَآ أُلۡقُواْ مِنۡہَا مَكَانً۬ا ضَيِّقً۬ا مُّقَرَّنِينَ دَعَوۡاْ هُنَالِكَ ثُبُورً۬ا (١٣) لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡيَوۡمَ ثُبُورً۬ا وَٲحِدً۬ا وَٱدۡعُواْ ثُبُورً۬ا ڪَثِيرً۬ا (١٤) قُلۡ أَذَٲلِكَ خَيۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَ‌ۚ كَانَتۡ لَهُمۡ جَزَآءً۬ وَمَصِيرً۬ا (١٥) لَّهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَـٰلِدِينَ‌ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعۡدً۬ا مَّسۡـُٔولاً۬ (١٦) وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِى هَـٰٓؤُلَآءِ أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ (١٧) قَالُواْ سُبۡحَـٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِى لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَـٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّڪۡرَ وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورً۬ا (١٨)


(11-16) أمام الإنسان طريقان إما طريق النوروالحق والعدل وهو الذى يؤدى الى الجنة و إما طريق الظلم و الباطل الذى يؤدى الى جهنم، وحينما نقرأ قوله تعالى {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} يهمنى هنا أن أذكر من هو المكذب عند الله تعالى وهو الذى كما وضح لنا القرآن يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ* فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ *  وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ } فالتكذيب بالشئ ليس كما نظن أن يقف الإنسان ليقول إنه غير مؤمن بالدين بل حين نرى أفعاله تدل على تكذيبه، فمن قال إنه مؤمن بالله  واليوم الآخر ولكن أفعاله مملوءة بالظلم والغلظة والقسوة والعدوان فقد كذب بالدين، فالإيمان أو التصديق بالله ليس بكلمات تقال بل بأفعال تدرك و ترى كما قال تعالى {لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ }.

(17) تتحدث الآية عن كفار مكة و أصنامها التى كانوا يعبدونها من دون الله.

(18) {الذِّكْرَ} تأتى كلمة الذكر فى القرآن بأكثر من معنى فجائت بمعنى القرآن نفسه {وَإِنَّهُ ( أى القرآن ) لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} وجاءت بمعنى التوراة {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ}.

والقرآن والتوراة يتفقان على أسس العقيدة والإيمان مثل :

  • الإيمان بالله الواحد و عدم عبادة الأصنام.
  • تحريم القتل و السرقة والزنا.
  • إكرام الوالدين.
  • الإحسان للجار.
  • الشفقة والرحمة حتى بالحيوان.
  • العدل وعدم شهادة الزور.
  • و سميت التوراة و القرآن بالذكر لأنهما يذكران الإنسان بالضمير الذى أوجده الله تعالى بداخله كى يفرق به بين الخير والشر و قال تعالى {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ} و{فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ} و{سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ}.

 فَقَدۡ ڪَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسۡتَطِيعُونَ صَرۡفً۬ا وَلَا نَصۡرً۬ا‌ۚ وَمَن يَظۡلِم مِّنڪُمۡ نُذِقۡهُ عَذَابً۬ا ڪَبِيرً۬ا (١٩) وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِى ٱلۡأَسۡوَاقِ‌ۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَڪُمۡ لِبَعۡضٍ۬ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَ‌ۗ وَڪَانَ رَبُّكَ بَصِيرً۬ا (٢٠) ۞ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَـٰٓٮِٕكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَا‌ۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِىٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوًّ۬ا كَبِيرً۬ا (٢١) يَوۡمَ يَرَوۡنَ ٱلۡمَلَـٰٓٮِٕكَةَ لَا بُشۡرَىٰ يَوۡمَٮِٕذٍ۬ لِّلۡمُجۡرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجۡرً۬ا مَّحۡجُورً۬ا (٢٢) وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٍ۬ فَجَعَلۡنَـٰهُ هَبَآءً۬ مَّنثُورًا (٢٣) أَصۡحَـٰبُ ٱلۡجَنَّةِ يَوۡمَٮِٕذٍ خَيۡرٌ۬ مُّسۡتَقَرًّ۬ا وَأَحۡسَنُ مَقِيلاً۬ (٢٤) وَيَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلۡغَمَـٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَـٰٓٮِٕكَةُ تَنزِيلاً (٢٥) ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَٮِٕذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَـٰنِ‌ۚ وَڪَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَـٰفِرِينَ عَسِيرً۬ا (٢٦) وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَـٰلَيۡتَنِى ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً۬ (٢٧) يَـٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِى لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلاً۬ (٢٨) لَّقَدۡ أَضَلَّنِى عَنِ ٱلذِّڪۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِى‌ۗ وَڪَانَ ٱلشَّيۡطَـٰنُ لِلۡإِنسَـٰنِ خَذُولاً۬ (٢٩) وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَـٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِى ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورً۬ا (٣٠) وَكَذَٲلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّ۬ا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ‌ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيً۬ا وَنَصِيرً۬ا (٣١) وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةً۬ وَٲحِدَةً۬‌ۚ ڪَذَٲلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَ‌ۖ وَرَتَّلۡنَـٰهُ تَرۡتِيلاً۬ (٣٢) وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَـٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا (٣٣) ٱلَّذِينَ يُحۡشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَـٰٓٮِٕكَ شَرٌّ۬ مَّكَانً۬ا وَأَضَلُّ سَبِيلاً۬ (٣٤) وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡڪِتَـٰبَ وَجَعَلۡنَا مَعَهُ ۥۤ أَخَاهُ هَـٰرُونَ وَزِيرً۬ا (٣٥) فَقُلۡنَا ٱذۡهَبَآ إِلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَـٰتِنَا فَدَمَّرۡنَـٰهُمۡ تَدۡمِيرً۬ا (٣٦)


(19) {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} الظلم قد يكون بعدم إعطاء الآخرين حقوقهم أوبالجور عليهم أو بالقسوة فى التعامل معهم وقد توعد الله الظالمين بعذاب أليم وجعل عدم الظلم شرطاً أساسياً  فى قبول الإيمان {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}، وقد أهلك الله تعالى الأمم السابقة لأنهم كانوا ظالمين {وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} وأفضل وسيلة يعلم بها الإنسان أن معاملته مع الآخرين عادلة أم ظالمة هو أن يضع نفسه مكان الطرف الآخر فى المعاملات ثم يحكم إن كان هذا التصرف الذى يريد فعله هو عدل أم ظلم.

 (21-27) ينتقل القرآن بنا فى هذه الآيات الى لحظات فى يوم القيامة ونرى فى الوصف الإلهى كيف أن التوعد بالهلاك لا يكون إلا للمجرمين {لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ } والظالمين {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ } فكلاهما سواء المجرم أوالظالم إتبعوا سبيل الشيطان بدلاً من إتباع سبيل الله ورسوله وأضلهم الشيطان عن سبيل الله الحقيقى وهو طريق الخير والرحمة والعدل {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}.

 (29-31) { وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا } حينما نقرأ هذه الآيات نسأل أنفسنا عن ماذا أمرنا القرآن حتى لا نوصف ذات يوم أننا إتخذناه مهجوراً؟ أى إتخذناه منهجاً لنا بالقول ولكن هجرناه بأفعالنا.

 والقرآن أمرنا بمبادئ خالده تعلمنا أسس الإيمان الحقيقى مثل:

  • العدل {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ}.
  • عدم الإعتداء على الآخرين {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}.
  • القول الحسن والجميل لجميع البشر{ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}.
  • أداء الأمانات الى أهلها {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا}.
  • عدم التكبر {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ}.
  • عدم الحكم على الناس بالإيمان أو بالكفر وترك الحساب كليةً لله تعالى {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم }.
  • الإنفاق على المحتاجين {فَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ}.
  • معاملة أهل الديانات الآخرى بالحسنى وعدم الإساءة لمشاعرهم {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.
  • قول الحق حتى لو كان ضد الإنسان نفسه أو عائلته أو قومه {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ}.
  • عدم الإفساد فى الأرض سواء بقتل وترويع الآمنين أوحرق المنشئات أوسرقته {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ }.

فينبغى على الإنسان المؤمن بناء فكره على هذه الآيات المحكمات الواضحات وعدم الخوض كثيراً فى الأيات المتشابهات التى يوجد الكثير من الإختلاف فى فهمها.

والأسلوب المستخدم فى الآية الكريمة {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} هو أسلوب رائع فى وصف الناس الذين إتخذوا القرآن منهجاً بالقول فقط و تشدقوا بالإيمان به ولكنهم هجروه و هجروا معانيه السامية المذكورة أعلاه.

فمن قال إنه مؤمن بالقرآن ونسى العدل والإحسان وإيتاء ذى القربى – و أكره الآخرين على أداء شعائر الدين – و لم يحترم حرية الآخرين فى إعتقاد ما يشاءون – و ظلم غيره من البشر و أهان الناس – ولم يكرم اليتيم ولم يطعم المسكين – و أذى مشاعر أى إنسان – أو إعتدى على الآمنين – فقد إتخذه مهجوراً و حشر يوم القيامة مع المجرمين والظالمين .

 (34) جعل الله جهنم مـأوى للطغاه والظالمين عبر العصور .

 (35) {الْكِتَاب} هنا التوراة .


 وَقَوۡمَ نُوحٍ۬ لَّمَّا ڪَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغۡرَقۡنَـٰهُمۡ وَجَعَلۡنَـٰهُمۡ لِلنَّاسِ ءَايَةً۬‌ۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِلظَّـٰلِمِينَ عَذَابًا أَلِيمً۬ا (٣٧) وَعَادً۬ا وَثَمُودَاْ وَأَصۡحَـٰبَ ٱلرَّسِّ وَقُرُونَۢا بَيۡنَ ذَٲلِكَ كَثِيرً۬ا (٣٨) وَڪُلاًّ۬ ضَرَبۡنَا لَهُ ٱلۡأَمۡثَـٰلَ‌ۖ وَڪُلاًّ۬ تَبَّرۡنَا تَتۡبِيرً۬ا (٣٩) وَلَقَدۡ أَتَوۡاْ عَلَى ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِىٓ أُمۡطِرَتۡ مَطَرَ ٱلسَّوۡءِ‌ۚ أَفَلَمۡ يَڪُونُواْ يَرَوۡنَهَا‌ۚ بَلۡ ڪَانُواْ لَا يَرۡجُونَ نُشُورً۬ا (٤٠) وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَـٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً (٤١) إِن ڪَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَا‌ۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٢) أَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ ۥ هَوَٮٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيۡهِ وَڪِيلاً (٤٣) أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَڪۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَ‌ۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَـٰمِ‌ۖ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٤) أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُ ۥ سَاكِنً۬ا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلاً۬ (٤٥) ثُمَّ قَبَضۡنَـٰهُ إِلَيۡنَا قَبۡضً۬ا يَسِيرً۬ا (٤٦) وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِبَاسً۬ا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتً۬ا وَجَعَلَ ٱلنَّہَارَ نُشُورً۬ا (٤٧) وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَـٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَىۡ رَحۡمَتِهِۦ‌ۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً۬ طَهُورً۬ا (٤٨) لِّنُحۡـِۧىَ بِهِۦ بَلۡدَةً۬ مَّيۡتً۬ا وَنُسۡقِيَهُ ۥ مِمَّا خَلَقۡنَآ أَنۡعَـٰمً۬ا وَأَنَاسِىَّ ڪَثِيرً۬ا (٤٩) وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَـٰهُ بَيۡنَہُمۡ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰٓ أَڪۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا ڪُفُورً۬ا (٥٠) وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِى ڪُلِّ قَرۡيَةٍ۬ نَّذِيرً۬ا (٥١)


(37) {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا } يذكرنا القرآن دائما ببشاعة الظلم وعاقبته الوخيمة فتوعد الظالمين بالعذاب {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا }.

(41)  بالرغم من أن مشركى مكة كانوا يستهزئون بالرسول فلم يأمره القرآن ولو لمرة واحدة أن يرد على الإستهزاء به بالعنف، و مع ذلك أمره أن يرد كما فى الآية {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} أوأن يترك المجلس إذا كان الإستهزاء بالقرآن {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } وذلك ليعلمنا أن الله تعالى لم يسمح لرسوله أن يستخدم القوة أو العنف للرد على الإستهزاء بالدين، وهؤلاء الذين يبيحون لأنفسهم الرد بالعنف على من إستهزأ بالدين أو بالرسول فإنما يتبعون أهواءهم لا القرآن فلو كانوا حقاً يتبعون القرآن لإنتهجوا نهج الرسول وردوا على الجاهلين بقول واحد وهو سلاماً {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}.

  (44) {أَوْ يَعْقِلُونَ} يحثنا القرآن على إعمال العقل والفكر وينهانا عن الإتباع بغير علم أو بدون تفكير {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}، فإستخدام العقل والفكر ضرورة و فريضة إلهية {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} و{إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

(45-49)  إنتقل القرآن بنا فى هذه الآيات الى التذكرة بقدرة الله و جماله وعظمته فى الخلق فأخذ يسرد الآيات تلو الآيات فينتقل بعقولنا و قلوبنا و أفئدتنا من الأرض الى السماء و من الليل الى النهار و من الرياح الى السحب فيعرض جزءاً من ملكوته الذى لا ينتهى فكما قال تعالى {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا }


فَلَا تُطِعِ ٱلۡڪَـٰفِرِينَ وَجَـٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادً۬ا ڪَبِيرً۬ا (٥٢) ۞ وَهُوَ ٱلَّذِى مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَـٰذَا عَذۡبٌ۬ فُرَاتٌ۬ وَهَـٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٌ۬ وَجَعَلَ بَيۡنَہُمَا بَرۡزَخً۬ا وَحِجۡرً۬ا مَّحۡجُورً۬ا (٥٣) وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَآءِ بَشَرً۬ا فَجَعَلَهُ ۥ نَسَبً۬ا وَصِهۡرً۬ا‌ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرً۬ا (٥٤) وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمۡ وَلَا يَضُرُّهُمۡ‌ۗ وَكَانَ ٱلۡكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرً۬ا (٥٥) وَمَآ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا مُبَشِّرً۬ا وَنَذِيرً۬ا (٥٦) قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُڪُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلاً۬ (٥٧) وَتَوَڪَّلۡ عَلَى ٱلۡحَىِّ ٱلَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦ‌ۚ وَڪَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا (٥٨)


(52) { وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا } ” به ” أى بالقرآن.

وضح لنا الله تعالى هنا أن الجهاد الحقيقى ليس هو جهاد السيف إنما جهاد الكلمة فها هو الأمر الإلهى للرسول أن يجاهد بالقرآن {وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} أى بالقرآن، وقد جاهد الأنبياء السابقون بالحجة والمنطق والكلمة الطيبة و ليس بإستخدام العنف أوالإعتداء على أحد، ولنا العبرة فى قصة إبراهيم عندما أُلقى فى النار وهُدد بالرجم و مع ذلك لم يرفع سيفاً على قومه ولم يظلم أويبطش بل جاهدهم بالحجة والمنطق وبالبرهان {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ} فما أعظمه من جهادٍ جهادُ الكلمة ضد العنف وجهاد المنطق ضد الجهل وجهاد النور ضد الظلام و جهاد الحب ضد الكراهية فيا له من جهاد أن نجاهد بالكلمة والحجة والمنطق بدلا من السيف {وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا}.

(53-54) ينتقل القرآن بنا كعادته الى التأمل فى خلق السماوات والأرض {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} ثم يغوص بنا فى أعماق الجينات وخلق الإنسان {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} ولا يسعنا أمام هذه الآيات إلا أن نقر بعظمته وقدرته سبحانه وتعالى.

 (55) ذكر الشوكانى أن هذه الآية نزلت فى أبى جهل وهو الأسم الذى سماه الرسول للحكم بن هشام وكان معروفاً عنه القسوة والغلظة وقهرالمسلمين الأوائل والبطش بهم لأنهم خالفوا عقيدة وفكر آبائهم من مشركى مكة، وإن كنا حقاً نريد إتباع الإسلام فعلينا أن نقتدى بخلق القرآن فى إحترام حرية العقيدة {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} بدلاً من الإقتداء بشخص مثل أبى جهل والذى حرم مجموعة من البشر من حقهم فى الإيمان بما يشاءون أو أن يكونوا مختلفين فكرياً عن باقى المجتمع، وقارن تصرف أبى جهل بقول القرآن { فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ }، وإختر بمن تريد أن تقتدى بخلق القرآن أم بخلق أبى جهل.

(57) {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} لم يسأل الرسول أجراً من الناس على كتاب الله وذلك دائماً هو خلق الأنبياء ونذكر فى سورة ياسين ذلك الرجل المؤمن الذى قال لقومه {اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ} وذكر عن السيد المسيح عليه السلام قولاً يتفق مع ذلك المعنى حين قال “أخذتم مجاناً ( أى من الله ) أعطوا مجاناً”.


ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ۬ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ‌ۚ ٱلرَّحۡمَـٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرً۬ا (٥٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْ لِلرَّحۡمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَـٰنُ أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا وَزَادَهُمۡ نُفُورً۬ا ۩ (٦٠) تَبَارَكَ ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجً۬ا وَجَعَلَ فِيہَا سِرَٲجً۬ا وَقَمَرً۬ا مُّنِيرً۬ا (٦١) وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةً۬ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّڪَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُڪُورً۬ا (٦٢) وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنً۬ا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَـٰمً۬ا (٦٣) وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدً۬ا وَقِيَـٰمً۬ا (٦٤) وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ‌ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَآءَتۡ مُسۡتَقَرًّ۬ا وَمُقَامً۬ا (٦٦) وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَڪَانَ بَيۡنَ ذَٲلِكَ قَوَامً۬ا (٦٧) وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَ‌ۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٲلِكَ يَلۡقَ أَثَامً۬ا (٦٨) يُضَـٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَـٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً۬ صَـٰلِحً۬ا فَأُوْلَـٰٓٮِٕكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَـٰتٍ۬‌ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورً۬ا رَّحِيمً۬ا (٧٠) وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحً۬ا فَإِنَّهُ ۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابً۬ا (٧١) وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ ڪِرَامً۬ا (٧٢) وَٱلَّذِينَ إِذَا ذُڪِّرُواْ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمۡ لَمۡ يَخِرُّواْ عَلَيۡهَا صُمًّ۬ا وَعُمۡيَانً۬ا (٧٣) وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٲجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٍ۬ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤) أُوْلَـٰٓٮِٕكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةً۬ وَسَلَـٰمًا (٧٥) خَـٰلِدِينَ فِيهَا‌ۚ حَسُنَتۡ مُسۡتَقَرًّ۬ا وَمُقَامً۬ا (٧٦) قُلۡ مَا يَعۡبَؤُاْ بِكُمۡ رَبِّى لَوۡلَا دُعَآؤُڪُمۡ‌ۖ فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ فَسَوۡفَ يَڪُونُ لِزَامَۢا (٧٧)


(59) {ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ} التعبير هنا مجازى ولاينبغى فهمه بأن الله محدود –حاشاه –  وأنه يجلس مثلنا فهو ليس كمثله شيئ. و مثل هذه التعبيرات تؤخذ بمعناها المجازى وليس بمفهومها الحرفى، وكما نفهم نحن بعض التعبيرات المجازية فى ديننا فإن الكثيرين من أهل الديانات الآخرى أيضاً يفهمون تعبيرات فى دينهم بصورة مجازية.

(63) {هَوْنًا} أى تواضعاً، { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} تعنى هنا أن الله تعالى أمر المؤمنين أن يردوا بكلمات السلام على من يهاجمونهم بإستخدام أشد الألفاظ.

(68) {إِلَّا بِالْحَقِّ} أى كعقوبة للجرائم المروعة مثل القتل والنهب والسلب وقطع الطريق والإغتصاب والإرهاب، وصاحب الحق الأوحد فى تنفيذ تلك العقوبة هو الحكومة المعنية بشئون الدولة، ومن قتل إنساناً مسالماً بسبب فكره أوعقيدته أو إرغامه على إتباع دين آخر فقد وقع عليه قول الله فى الآية { يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا }، فعلينا أن نعرف أن حياة الإنسان مقدسة عند الله تعالى وأن الله تعالى كفل لكل إنسان حرية الفكر والعقيدة وإنه {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}.

(72) {اللَّغْوِ} مثل الشتائم والسخرية من الآخرين  أو التعبيرات العنصرية أو الإستهزاء بالناس أو ألقابهم ومثل إتهام الناس بدون دليل و كل ذلك من اللغو الذى علينا ان نتجنبه.

أضف تعليق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى