القران الكريم

سورة فُصّلَت

فُصّلَت

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيم

حمٓ (١) تَنزِيلٌ۬ مِّنَ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ (٢) كِتَـٰبٌ۬ فُصِّلَتۡ ءَايَـٰتُهُ ۥ قُرۡءَانًا عَرَبِيًّ۬ا لِّقَوۡمٍ۬ يَعۡلَمُونَ (٣) بَشِيرً۬ا وَنَذِيرً۬ا فَأَعۡرَضَ أَڪۡثَرُهُمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ (٤) وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىٓ أَڪِنَّةٍ۬ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقۡرٌ۬ وَمِنۢ بَيۡنِنَا وَبَيۡنِكَ حِجَابٌ۬ فَٱعۡمَلۡ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ (٥) قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۟ بَشَرٌ۬ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمۡ إِلَـٰهٌ۬ وَٲحِدٌ۬ فَٱسۡتَقِيمُوٓاْ إِلَيۡهِ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُ‌ۗ وَوَيۡلٌ۬ لِّلۡمُشۡرِكِينَ (٦) ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡتُونَ ٱلزَّڪَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأَخِرَةِ هُمۡ كَـٰفِرُونَ (٧) إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٍ۬ (٨) ۞ قُلۡ أَٮِٕنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِى يَوۡمَيۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُ ۥۤ أَندَادً۬ا‌ۚ ذَٲلِكَ رَبُّ ٱلۡعَـٰلَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيہَا رَوَٲسِىَ مِن فَوۡقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيہَا وَقَدَّرَ فِيہَآ أَقۡوَٲتَہَا فِىٓ أَرۡبَعَةِ أَيَّامٍ۬ سَوَآءً۬ لِّلسَّآٮِٕلِينَ (١٠) ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ۬ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهً۬ا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآٮِٕعِينَ (١١) فَقَضَٮٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَـٰوَاتٍ۬ فِى يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَا‌ۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَحِفۡظً۬ا‌ۚ ذَٲلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ (١٢) فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَقُلۡ أَنذَرۡتُكُمۡ صَـٰعِقَةً۬ مِّثۡلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ۬ وَثَمُودَ (١٣)


(5) {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} يؤكد القرآن دائماً على بشرية الرسول و هو ليس إلا بشر كباقى البشر {بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}،وقد تجلى ذلك المعنى فى كتاب الله فى الكثير من الآيات مثل {إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ}, {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا}، وهو كبشر فإن له قدرات محدودة وليس من حقه أن يتدخل فى حساب غيره {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}, و لا يدرى ما سيفعل به أو بالآخرين {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ}، وهو كبشر كان كما ذكرالقرآن ضالاً وهداه الله {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ} وكان غافلاً {وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} وهو كبشر لا يملك لنفسه شيئاً {قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا}, ولا حتى يملك لغيره شيئاً {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا}، فهو رسول الله وخاتم النبين وهو الذى أبلغ الرسالة و أدى الأمانة ولكنه فى نهاية الأمر هو “بشر” كما ذكر الله تعالى.

و قد أدرك هذا المعنى أبو بكر الصديق حينما خرج بعد وفاة الرسول ليقول للناس ” من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات و من كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت “.


إِذۡ جَآءَتۡہُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَ‌ۖ قَالُواْ لَوۡ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَـٰٓٮِٕكَةً۬ فَإِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عَادٌ۬ فَٱسۡتَڪۡبَرُواْ فِى ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً‌ۖ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡہُمۡ قُوَّةً۬‌ۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجۡحَدُونَ (١٥) فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡہِمۡ رِيحً۬ا صَرۡصَرً۬ا فِىٓ أَيَّامٍ۬ نَّحِسَاتٍ۬ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡىِ فِى ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا‌ۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأَخِرَةِ أَخۡزَىٰ‌ۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيۡنَـٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ فَأَخَذَتۡہُمۡ صَـٰعِقَةُ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (١٨) وَيَوۡمَ يُحۡشَرُ أَعۡدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَہِدَ عَلَيۡہِمۡ سَمۡعُهُمۡ وَأَبۡصَـٰرُهُمۡ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (٢٠) وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمۡ لِمَ شَهِدتُّمۡ عَلَيۡنَا‌ۖ قَالُوٓاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىۡءٍ۬ وَهُوَ خَلَقَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍ۬ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَتِرُونَ أَن يَشۡہَدَ عَلَيۡكُمۡ سَمۡعُكُمۡ وَلَآ أَبۡصَـٰرُكُمۡ وَلَا جُلُودُكُمۡ وَلَـٰكِن ظَنَنتُمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعۡلَمُ كَثِيرً۬ا مِّمَّا تَعۡمَلُونَ (٢٢) وَذَٲلِكُمۡ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِى ظَنَنتُم بِرَبِّكُمۡ أَرۡدَٮٰكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم مِّنَ ٱلۡخَـٰسِرِينَ (٢٣) فَإِن يَصۡبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثۡوً۬ى لَّهُمۡ‌ۖ وَإِن يَسۡتَعۡتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلۡمُعۡتَبِينَ (٢٤) ۞ وَقَيَّضۡنَا لَهُمۡ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيۡنَ أَيۡدِيہِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِىٓ أُمَمٍ۬ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ‌ۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَـٰسِرِينَ (٢٥) وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسۡمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَابً۬ا شَدِيدً۬ا وَلَنَجۡزِيَنَّہُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِى كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (٢٧) ذَٲلِكَ جَزَآءُ أَعۡدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ‌ۖ لَهُمۡ فِيہَا دَارُ ٱلۡخُلۡدِ‌ۖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجۡحَدُونَ (٢٨) وَقَالَ ٱلَّذِينَ ڪَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيۡنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ نَجۡعَلۡهُمَا تَحۡتَ أَقۡدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلۡأَسۡفَلِينَ (٢٩) إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَـٰٓٮِٕڪَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمۡ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحۡنُ أَوۡلِيَآؤُكُمۡ فِى ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِى ٱلۡأَخِرَةِ‌ۖ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَشۡتَهِىٓ أَنفُسُكُمۡ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً۬ مِّنۡ غَفُورٍ۬ رَّحِيمٍ۬ (٣٢)


(14-18) ظلمت هذه الأقوام رسل الله وإستخدموا أبشع أنواع العنف لقهر فكرهم فأستوجبوا الغضب الإلهى كما ورد فى الآيات، ومن ذلك نتعلم ألا نقهر كل فكر يخالفنا وإن فعلنا ذلك أصبحنا مثل هذه الأمم الظالمة. 

(22) {وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ} يعلمنا القرآن فى الكثير من الآيات أن الله هو العالم بكل شئ فى الوجود وهو المطلع على سريرة الإنسان وأعماق فكره {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}, {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}, {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} فالله مراقب لكل أفعال البشر وتصرفاتهم و خلجات أنفسهم  فهو كما قال {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى}.

(26-29) {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} تتحدث الآيات عن كفار مكة فعرفتهم بأداة الإشارة ” الذين ” {الَّذِينَ كَفَرُوا} وهم الذين أظهروا عداءهم لله بطردهم الرسول  ومن معه من أرضهم وعذبوا المؤمنين الأوائل وإضطهدوهم لا لشئ إلا أنهم قالوا ” ربنا الله ” {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ}، فكانت أكبر جريمة فعلها كفار مكة هى ما نسميه الآن إضطهاد أقلية مسالمة لأجل دينها أوعقيدتها (أى إضطهاد الأقليات).


وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلاً۬ مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحً۬ا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسۡتَوِى ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ‌ۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِى هِىَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُ ۥ عَدَٲوَةٌ۬ كَأَنَّهُ ۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ۬ (٣٤) وَمَا يُلَقَّٮٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّٮٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ۬ (٣٥) وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَـٰنِ نَزۡغٌ۬ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ‌ۖ إِنَّهُ ۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ (٣٦) وَمِنۡ ءَايَـٰتِهِ ٱلَّيۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ‌ۚ لَا تَسۡجُدُواْ لِلشَّمۡسِ وَلَا لِلۡقَمَرِ وَٱسۡجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن ڪُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ ٱسۡتَڪۡبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ ۥ بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّہَارِ وَهُمۡ لَا يَسۡـَٔمُونَ ۩ (٣٨) وَمِنۡ ءَايَـٰتِهِۦۤ أَنَّكَ تَرَى ٱلۡأَرۡضَ خَـٰشِعَةً۬ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡہَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ‌ۚ إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحۡيَاهَا لَمُحۡىِ ٱلۡمَوۡتَىٰٓ‌ۚ إِنَّهُ ۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىۡءٍ۬ قَدِيرٌ (٣٩)


(33) {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} الدعوة الى الله موجودة فى كل الأديان السماوية فكلها تتفق على الإيمان بوجود خالق أعظم للكون، وأسلوب الدعوة الوحيد المقبول الى الله أن تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، ورأينا فى القرآن كيف دعا رسل الله إليه وكان ذلك وفى بعض الأحيان قبل نزول الكتب السماوية فقد دعا نوح الى الله و دعا إبراهيم الى الخالق  ودعا يوسف الى ربه وكان ذلك قبل نزول أى كتاب سماوى، فآيات الله وكلماته فى الخلق هى أكبر شاهد على وجوده وإن عجائبه لتتحدث عنه ليل نهار وكما قال الله {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.

{وَعَمِلَ صَالِحًا} الأعمال الصالحة لا يختلف عليها أحد فأى عمل ينشر الخير والمحبة والرحمة بين الناس هو عمل صالح, فإكرام اليتيم عمل صالح ورعاية الأرامل والثكلى عمل صالح وتخفيف ألام الناس عمل صالح والرحمة بالمسكين والمحتاج عمل صالح وكما قال الله تعالى {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا}.

{وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} نلاحظ أن القول “إننى من المسلمين” جاء بعد الدعوة الى الله  (وليس الدعوة الى دين بعينه) وجاء بعد العمل الصالح، وقول إننى من المسلمين كما جاء فى القرآن هو أقل درجات الإيمان بالله {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} و كلمة مسلمين لغوياً تعنى صانعى السلام فى الأرض فهى مشتقة من سلم – أسلم – إسلام – مسلمين كما فى صلح – أصلح – إصلاح – مصلحين فكما أن المصلح هو من يصلح فى الأرض فإن المسلم الحقيقى هو من يصنع السلام فى الأرض فكلمة المسلمين لغوياً تختلف عن إتباع الديانة الإسلامية بأركانها المعروفة فقد ذكر أن كل الأنبياء والمرسلين كانوا مسلمين فى حين أنهم لم يكونوا يعرفوا أى شئ عن القرآن أو أركان الديانة الإسلامية المعروفة لأن جميعهم كانوا دعاة سلام وليسوا دعاة عنف أو حرب، وكل صانعى السلام مقدرون ومكرمون فى جميع الكتب السماوية، وجدير بالذكر أيضاً أن العمل الصالح قدم على القول كما نرى فى الآية فقول اللسان لا يعنى الكثير إذا لم يكن عمله صالحاً {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا}.


إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخۡفَوۡنَ عَلَيۡنَآ‌ۗ أَفَمَن يُلۡقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيۡرٌ أَم مَّن يَأۡتِىٓ ءَامِنً۬ا يَوۡمَ ٱلۡقِيَـٰمَةِ‌ۚ ٱعۡمَلُواْ مَا شِئۡتُمۡ‌ۖ إِنَّهُ ۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكۡرِ لَمَّا جَآءَهُمۡ‌ۖ وَإِنَّهُ ۥ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ۬ (٤١) لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَـٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦ‌ۖ تَنزِيلٌ۬ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٍ۬ (٤٢) مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدۡ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبۡلِكَ‌ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٍ۬ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ۬ (٤٣) وَلَوۡ جَعَلۡنَـٰهُ قُرۡءَانًا أَعۡجَمِيًّ۬ا لَّقَالُواْ لَوۡلَا فُصِّلَتۡ ءَايَـٰتُهُ ۥۤ‌ۖ ءَا۠عۡجَمِىٌّ۬ وَعَرَبِىٌّ۬‌ۗ قُلۡ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدً۬ى وَشِفَآءٌ۬‌ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٌ۬ وَهُوَ عَلَيۡهِمۡ عَمًى‌ۚ أُوْلَـٰٓٮِٕكَ يُنَادَوۡنَ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٍ۬ (٤٤) وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَـٰبَ فَٱخۡتُلِفَ فِيهِ‌ۗ وَلَوۡلَا ڪَلِمَةٌ۬ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيۡنَهُمۡ‌ۚ وَإِنَّهُمۡ لَفِى شَكٍّ۬ مِّنۡهُ مُرِيبٍ۬ (٤٥) مَّنۡ عَمِلَ صَـٰلِحً۬ا فَلِنَفۡسِهِۦ‌ۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَا‌ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ۬ لِّلۡعَبِيدِ (٤٦) ۞ إِلَيۡهِ يُرَدُّ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ‌ۚ وَمَا تَخۡرُجُ مِن ثَمَرَٲتٍ۬ مِّنۡ أَكۡمَامِهَا وَمَا تَحۡمِلُ مِنۡ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلۡمِهِۦ‌ۚ وَيَوۡمَ يُنَادِيہِمۡ أَيۡنَ شُرَڪَآءِى قَالُوٓاْ ءَاذَنَّـٰكَ مَا مِنَّا مِن شَہِيدٍ۬ (٤٧) وَضَلَّ عَنۡہُم مَّا كَانُواْ يَدۡعُونَ مِن قَبۡلُ‌ۖ وَظَنُّواْ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ۬ (٤٨) لَّا يَسۡـَٔمُ ٱلۡإِنسَـٰنُ مِن دُعَآءِ ٱلۡخَيۡرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَـُٔوسٌ۬ قَنُوطٌ۬ (٤٩) وَلَٮِٕنۡ أَذَقۡنَـٰهُ رَحۡمَةً۬ مِّنَّا مِنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآٮِٕمَةً۬ وَلَٮِٕن رُّجِعۡتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّ لِى عِندَهُ ۥ لَلۡحُسۡنَىٰ‌ۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٍ۬ (٥٠) وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَـٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ۬ (٥١) قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن ڪَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ ڪَفَرۡتُم بِهِۦ مَنۡ أَضَلُّ مِمَّنۡ هُوَ فِى شِقَاقِۭ بَعِيدٍ۬ (٥٢)


(40-42) كلمة {الذِّكْرِ} قد تعنى القرآن {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} أو التوراة {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ}، وسميت هذه الكتب ذكْراً لأنها تذكر الإنسان بالضمير الذى خلقه الله بداخله.

(43) {مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِك} يتفق الوحى السماوى لجميع الرسل على مبادئ واحدة وهى المبادئ إلالهية منذ عهد نوح عليه السلام {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ}، وقد تجلت هذه المبادئ فى وصايا نوح عليه  السلام والتى نراها تتجلى أيضاً فى التوراة والإنجيل والقرآن. 

ووصايا نوح المذكورة فى السورة السابقة تشمل ما يلى : وصايا نوح على المعانى التالية : – الإيمان بوجود خالق للكون – محبة الله الواحد وتقديس إسمه – إحترام النفس البشرية – إحترام حقوق الآخرين وممتلكاتهم – الحفاظ على الأسرة –– الرحمة بجميع المخلوقات حتى الحيوان – إقامة العدل فى المجتمع .

 (45) {الْكِتَابَ} أى التوراة

(50) {وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تؤكد هذه الآية على أن أهم شئ يجعل الإنسان من ورثة جنة النعيم هو أن تكون أعماله صالحة وأفعاله خيراً، فلم تقل الآية أنهم ورثوا الجنة بما كانوا يقولون أو ينطقون أو حتى يعتقدون بل قالت {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.


سَنُرِيهِمۡ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلۡأَفَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِہِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ‌ۗ أَوَلَمۡ يَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ ۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىۡءٍ۬ شَہِيدٌ (٥٣) أَلَآ إِنَّہُمۡ فِى مِرۡيَةٍ۬ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمۡ‌ۗ أَلَآ إِنَّهُ ۥ بِكُلِّ شَىۡءٍ۬ مُّحِيطُۢ (٥٤)


(53) {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ} يتحقق هذا الوعد الإلهى يوماً بعد يوم فنراه يتجلى فى إكتشافات علمية تشهد بعظمة خالق السماوات والأرض, فحين نقرأ آيات الله فى خلقه ونتأمل فى ألوان ثمار الأرض وجمال أجنحة الفراشات وروعة ريش الطواويس وإبداع خلق نواة الذرة والهيمنة على آلاف الملايين من المجرات السابحة فى الكون لا يسعنا إلا ان نشهد ونقول وبدأ الخلق يتكلم عن القدير يتحدث تتكلم آلاؤه وتهمس عجائبه بأن أحداً فى الوجود لا يدانيك يا الله.

أضف تعليق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى