القران الكريم

سُوۡرَةُ يونس

یُونس

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓر‌ۚ تِلۡكَ ءَايَـٰتُ ٱلۡكِتَـٰبِ ٱلۡحَكِيمِ (١) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ۬ مِّنۡہُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّہِمۡ‌ۗ قَالَ ٱلۡڪَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ۬ مُّبِينٌ (٢) إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ۬ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ‌ۖ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ‌ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ إِذۡنِهِۦ‌ۚ ذَٲلِڪُمُ ٱللَّهُ رَبُّڪُمۡ فَٱعۡبُدُوهُ‌ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعً۬ا‌ۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقًّا‌ۚ إِنَّهُ ۥ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۥ لِيَجۡزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ بِٱلۡقِسۡطِ‌ۚ وَٱلَّذِينَ ڪَفَرُواْ لَهُمۡ شَرَابٌ۬ مِّنۡ حَمِيمٍ۬ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ (٤) هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءً۬ وَٱلۡقَمَرَ نُورً۬ا وَقَدَّرَهُ ۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَ‌ۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٲلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ‌ۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأَيَـٰتِ لِقَوۡمٍ۬ يَعۡلَمُونَ (٥) إِنَّ فِى ٱخۡتِلَـٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّہَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأَيَـٰتٍ۬ لِّقَوۡمٍ۬ يَتَّقُونَ (٦) إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِہَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ (٧) أُوْلَـٰٓٮِٕكَ مَأۡوَٮٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا ڪَانُواْ يَكۡسِبُونَ (٨) إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ يَہۡدِيهِمۡ رَبُّہُم بِإِيمَـٰنِہِمۡ‌ۖ تَجۡرِى مِن تَحۡتِہِمُ ٱلۡأَنۡهَـٰرُ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ (٩) دَعۡوَٮٰهُمۡ فِيہَا سُبۡحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُہُمۡ فِيہَا سَلَـٰمٌ۬‌ۚ وَءَاخِرُ دَعۡوَٮٰهُمۡ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِينَ (١٠) ۞ وَلَوۡ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسۡتِعۡجَالَهُم بِٱلۡخَيۡرِ لَقُضِىَ إِلَيۡہِمۡ أَجَلُهُمۡ‌ۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغۡيَـٰنِہِمۡ يَعۡمَهُونَ (١١) وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦۤ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآٮِٕمً۬ا فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُ ۥ مَرَّ ڪَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ۬ مَّسَّهُ ۥ‌ۚ كَذَٲلِكَ زُيِّنَ لِلۡمُسۡرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (١٢) وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ‌ۙ وَجَآءَتۡہُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَـٰتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ‌ۚ كَذَٲلِكَ نَجۡزِى ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلۡنَـٰكُمۡ خَلَـٰٓٮِٕفَ فِى ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لِنَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ (١٤) وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَاتُنَا بَيِّنَـٰتٍ۬‌ۙ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا ٱئۡتِ بِقُرۡءَانٍ غَيۡرِ هَـٰذَآ أَوۡ بَدِّلۡهُ‌ۚ قُلۡ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنۡ أُبَدِّلَهُ ۥ مِن تِلۡقَآىِٕ نَفۡسِىٓ‌ۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ‌ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّى عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٍ۬ (١٥) قُل لَّوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوۡتُهُ ۥ عَلَيۡڪُمۡ وَلَآ أَدۡرَٮٰكُم بِهِۦ‌ۖ فَقَدۡ لَبِثۡتُ فِيڪُمۡ عُمُرً۬ا مِّن قَبۡلِهِۦۤ‌ۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ (١٦) فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ڪَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِهِۦۤ‌ۚ إِنَّهُ ۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ (١٧) وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَـٰٓؤُلَآءِ شُفَعَـٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ‌ۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَلَا فِى ٱلۡأَرۡضِ‌ۚ سُبۡحَـٰنَهُ ۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ (١٨) وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةً۬ وَٲحِدَةً۬ فَٱخۡتَلَفُواْ‌ۚ وَلَوۡلَا ڪَلِمَةٌ۬ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ (١٩) وَيَقُولُونَ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٌ۬ مِّن رَّبِّهِۦ‌ۖ فَقُلۡ إِنَّمَا ٱلۡغَيۡبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ (٢٠) وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةً۬ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡہُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٌ۬ فِىٓ ءَايَاتِنَا‌ۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًا‌ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ (٢١) هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمۡ فِى ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ‌ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِى ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِہِم بِرِيحٍ۬ طَيِّبَةٍ۬ وَفَرِحُواْ بِہَا جَآءَتۡہَا رِيحٌ عَاصِفٌ۬ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ۬ وَظَنُّوٓاْ أَنَّہُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ‌ۙ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَٮِٕنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّآ أَنجَٮٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِى ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ‌ۗ يَـٰٓأَيُّہَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم‌ۖ مَّتَـٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا‌ۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ (٢٣)


(3) {الْعَرْشَ} هو ملك الله اللانهائى وكما قال رب العزة فى آية أخرى {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ} و كلمة “العرش”  تعبير مجازى و ليس مادياً، وقال أيضاً {الرحمن على العرش أستوى}.

(4) {الَّذِينَ كَفَرُوا} لاحظ إستخدام أداة الإشارة {الَّذِينَ} لتخصيص الحديث فى أهل مكة الذين حاربوا النبى فى بدء الإسلام.

(5-6) آيات الله فى خلقه تتحدث عن جلاله وتنطق عن عظمته فى كل وقت وفى كل حين وتراها فى أعين من يعرفون الله فى كل عصر وفى كل مكان فهى معلنة للجميع ولا تُخفى على أحد.

(7-8) {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أى بما كانوا يفعلون من الإفعال الشريرة مثل قهر اليتيم والقسوة على الأرملة وظلم الضعفاء وعدم الرحمة فى معاملة الآخرين.

(10)  {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} تلك هى { جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا }.

(12) على الإنسان أن يذكر الله فى جميع الأحوال سواء كان فى السراء أو الضراء, فنعم الله و آياته لا تعد ولا تحصى.

(13) فى هذه الآية نرى مقابلة بين كلمة {ظَلَمُوا} وكلمة {يُؤْمِنُوا} فالظلم هو عكس الإيمان، وذلك المعنى يتضح أيضاً فى الآية الكريمة {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} فالله تعالى عرف الكافرين بأنهم هم الظالمون، والإيمان المقبول عند الله تعالى لا يقبل إلا إذا كان غير مصحوب بظلم {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ }.

 فما معنى أن يقوم إنسان بالتشدق بكلمات إيمان وعمل شعائر يحرك فيها جسده ولكنه ظالم لأخيه الإنسان فالله تعالى لا يقبل الظلم {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} وتوعد من يظلم بعذاب أليم {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا}.

(14) { لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } : الحياة الدنيا هى إختبار للبشر ليرى الله ماذا سيفعلون فيها،. وكما ذكر القرآن {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ}، فالبشرعليهم إصلاح الأرض بدلاً من الإفساد فيها، ونذكر هنا كيف أن إهمال الناس فى إصلاح الأرض أدى الى ظهور الفساد فى البر و البحر :

{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}.

وذلك يدعونا كبشر أن نتعاون سوياً لإنهاء هذا الفساد والمتمثل فى الفقر و الجوع والمرض والآلم من على وجه الأرض التى نعيش فيها.

(17) أشد الجرائم عند الله تعالى هى الكذب والإفتراء عليه شيئاً لم يقله أو لم يوح  به فكما قال تعالى { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ }, فعلينا التحرى و التريث عند نقل أى قول عن الله أوعن الرسول،. وإتباع الآخرين فى هذا الأمر الخطير بغير علم لا يعفى الإنسان من مسئولية الكذب على الله لأنه قال :

{ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا }.

 و لم يقف توعد الله بجهنم لمن يفترى عليه كذباً لنا فقط بل أمتد التحذير من هذا الأمر الجلل لرسوله الكريم فقال عز وجل لنبيه عليه السلام :

{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ *  لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ( أى رباط القلب ) – فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}. فإذا كان هذا الحال مع النبى عليه السلام فكيف يكون الحال معنا؟

(18) تصف هذه الآية مشركى مكة وكيف كانوا يتخذون الأصنام شفعاء لهم فى عبادتهم الوثنية، وقد أوضح القرآن الكريم ذلك فى قوله تعالى :

{ أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ ۚ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ۖ لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }.

(21) المكر يعبر عن الدهاء والذكاء وهو يختلف عن الخداع و الكذب و الغش، فمثلاً لاعب الشطرنج قد يقوم بنقلة رائعة يوصف بها بأنه ماكر وهذا يختلف عن اللاعب الذى يسرق قطعة شطرنج من منافسه أو يعطية مخدراً فى الشراب حتى يهزمه فهو فى هذه الحالة مخادع وغشاش، فهناك فارق كبير بين الحالتين, فالأولى تدل على الذكاء فى  إستغلال  قواعد اللعبة ولا تحتوى على غش, أما الحالة الثانية فتمثل غشاً و خداعاً، فتعبير {وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} لا يعنى الخداع أو الغش كما يظن البعض خطأً و إنما يعنى الذكاء والدهاء, فمن يظن أنه أكثر دهاءاً وذكاءاً من الله فإن الله لا يعادله أحد فى كلتا الصفتين


إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَـٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّہُمۡ قَـٰدِرُونَ عَلَيۡہَآ أَتَٮٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلاً أَوۡ نَہَارً۬ا فَجَعَلۡنَـٰهَا حَصِيدً۬ا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِ‌ۚ كَذَٲلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأَيَـٰتِ لِقَوۡمٍ۬ يَتَفَڪَّرُونَ (٢٤) وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ وَيَہۡدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٲطٍ۬ مُّسۡتَقِيمٍ۬ (٢٥) ۞ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٌ۬‌ۖ وَلَا يَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرٌ۬ وَلَا ذِلَّةٌ‌ۚ أُوْلَـٰٓٮِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلۡجَنَّةِ‌ۖ هُمۡ فِيہَا خَـٰلِدُونَ (٢٦) وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةِۭ بِمِثۡلِهَا وَتَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٌ۬‌ۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٍ۬‌ۖ كَأَنَّمَآ أُغۡشِيَتۡ وُجُوهُهُمۡ قِطَعً۬ا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مُظۡلِمًا‌ۚ أُوْلَـٰٓٮِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِ‌ۖ هُمۡ فِيہَا خَـٰلِدُونَ (٢٧) وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعً۬ا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ مَكَانَكُمۡ أَنتُمۡ وَشُرَكَآؤُكُمۡ‌ۚ فَزَيَّلۡنَا بَيۡنَہُمۡ‌ۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمۡ إِيَّانَا تَعۡبُدُونَ (٢٨) فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَہِيدَۢا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ إِن كُنَّا عَنۡ عِبَادَتِكُمۡ لَغَـٰفِلِينَ (٢٩) هُنَالِكَ تَبۡلُواْ كُلُّ نَفۡسٍ۬ مَّآ أَسۡلَفَتۡ‌ۚ وَرُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَٮٰهُمُ ٱلۡحَقِّ‌ۖ وَضَلَّ عَنۡہُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ (٣٠) قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَـٰرَ وَمَن يُخۡرِجُ ٱلۡحَىَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَىِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ‌ۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ‌ۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَٲلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلۡحَقُّ‌ۖ فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَـٰلُ‌ۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ (٣٢) كَذَٲلِكَ حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓاْ أَنَّہُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ (٣٣) قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآٮِٕكُم مَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۥ‌ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۥ‌ۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ (٣٤) قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآٮِٕكُم مَّن يَہۡدِىٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ‌ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَہۡدِى لِلۡحَقِّ‌ۗ أَفَمَن يَہۡدِىٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَہِدِّىٓ إِلَّآ أَن يُہۡدَىٰ‌ۖ فَمَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ (٣٥) وَمَا يَتَّبِعُ أَكۡثَرُهُمۡ إِلَّا ظَنًّا‌ۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِى مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـًٔا‌ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ (٣٦)


(24) { أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا } لا يعلم ميقات الساعة إلا الله فكما قال سبحانه وتعالى { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا  * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا *  إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا *  إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا* كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا }.

 وقال أيضاً فى كتابه الكريم {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }.

 وكما ذكرت الآية الكريمة لن تقوم الساعة حتى يُرى اللهُ البشرَ آياته فى الخلق {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}، وذكر القرآن أن الساعة ستأتى ليلاً أو نهاراً لأنه لو قال ليلاً فإن نصف الكرة الأرضية الآخر سيكون نهاراً, ولو قال نهاراً فإن نصف الكرة الأرضية الآخر سيكون ليلاً, فإستخدام تعبير {لَيْلًا أَوْ نَهَارًا} هو أدق التعبيرات فى وصف الأمر بصورة تتفق مع الحقيقة العلمية.


وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ أَن يُفۡتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِى بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ ٱلۡكِتَـٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَـٰلَمِينَ (٣٧) أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَٮٰهُ‌ۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِسُورَةٍ۬ مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِينَ (٣٨) بَلۡ كَذَّبُواْ بِمَا لَمۡ يُحِيطُواْ بِعِلۡمِهِۦ وَلَمَّا يَأۡتِہِمۡ تَأۡوِيلُهُ ۥ‌ۚ كَذَٲلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ‌ۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ (٣٩) وَمِنۡہُم مَّن يُؤۡمِنُ بِهِۦ وَمِنۡہُم مَّن لَّا يُؤۡمِنُ بِهِۦ‌ۚ وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ (٤٠) وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمۡ عَمَلُكُمۡ‌ۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعۡمَلُ وَأَنَا۟ بَرِىٓءٌ۬ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ (٤١) وَمِنۡہُم مَّن يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَ‌ۚ أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوۡ كَانُواْ لَا يَعۡقِلُونَ (٤٢) وَمِنۡہُم مَّن يَنظُرُ إِلَيۡكَ‌ۚ أَفَأَنتَ تَہۡدِى ٱلۡعُمۡىَ وَلَوۡ كَانُواْ لَا يُبۡصِرُونَ (٤٣) إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ ٱلنَّاسَ شَيۡـًٔ۬ا وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَہُمۡ يَظۡلِمُونَ (٤٤) وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ كَأَن لَّمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةً۬ مِّنَ ٱلنَّہَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيۡنَہُمۡ‌ۚ قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ (٤٥) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ ٱللَّهُ شَہِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ (٤٦) وَلِڪُلِّ أُمَّةٍ۬ رَّسُولٌ۬‌ۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمۡ قُضِىَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِينَ (٤٨) قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِى ضَرًّ۬ا وَلَا نَفۡعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ‌ۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ‌ۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَلَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةً۬‌ۖ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ (٤٩) قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَتَٮٰكُمۡ عَذَابُهُ ۥ بَيَـٰتًا أَوۡ نَہَارً۬ا مَّاذَا يَسۡتَعۡجِلُ مِنۡهُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦۤ‌ۚ ءَآلۡـَٔـٰنَ وَقَدۡ كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ (٥٢) ۞ وَيَسۡتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَ‌ۖ قُلۡ إِى وَرَبِّىٓ إِنَّهُ ۥ لَحَقٌّ۬‌ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ (٥٣)


(37) المؤمن الحقيقى بالقرآن لابد أن يصدق أيضا بالتوراة والأنجيل فهى كتب الله المنزلة فنلاحظ فى هذه الآية أن القرآن أستخدم تعبير {تَفْصِيلَ الْكِتَابِ} ولم يقل تفصيل “الكتب”, مما يؤكد أن كتاب الله واحد ويؤكد ذلك أيضاً قوله تعالى :

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ }, وغاية الكتاب فى كل العصور واحدة {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ }. ولكن الشرائع والقوانين فى رسالات الله قد تختلف من عصر الى عصر و من زمان لزمان.

(41) أخلاق الرسول الحقيقية كما ذكر القرآن الكريم أنه إن كذبه الناس فعليه أن يرد كما يلى {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ }.

 فلم يقل الله له أن يرفع سيفاً لينشر دينه فدين الله لا يجوز نشره إلا بالحكمة والموعظة الحسنه {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ }،

وقد ذكرالقرآن فى مواقع أخرى كيف يرد الرسول على من كذبوه :

{وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} و{فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}.


وَلَوۡ أَنَّ لِكُلِّ نَفۡسٍ۬ ظَلَمَتۡ مَا فِى ٱلۡأَرۡضِ لَٱفۡتَدَتۡ بِهِۦ‌ۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ‌ۖ وَقُضِىَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ‌ۚ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ (٥٤) أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضِ‌ۗ أَلَآ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقٌّ۬ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحۡىِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ (٥٦) يَـٰٓأَيُّہَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٌ۬ مِّن رَّبِّڪُمۡ وَشِفَآءٌ۬ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدً۬ى وَرَحۡمَةٌ۬ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ (٥٧) قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٲلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٌ۬ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ (٥٨)


(54) نقف هنا متأملين لواحدة من أهم و أعظم الآيات القرآنية والتى تتحدث عن أبشع وأفظع جريمة يرتكبها إنسان وهى أن يظلم إنساناً آخر، وعلى كل من يقرأ هذه الآية :

{وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ ۗ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ }

 – أن يسأل نفسه هل ظلمت أحداً فى حياتى؟

 – هل تعصبت ضد إنسان وظلمته من أجل دينه أو عقيدته أو فكره؟

 – هل ظلمت زوجتى؟

 – هل ظلمت جارى؟

– هل ظلمت مسكيناً أو يتيماً أو أسيراً بدلاً من أن أكرمه؟

 و ليسأل كل واحد منا هذه الأسئلة قبل أن يلاقى ربه و يقال له {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}.


قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقٍ۬ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامً۬ا وَحَلَـٰلاً۬ قُلۡ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡ‌ۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡڪَذِبَ يَوۡمَ ٱلۡقِيَـٰمَةِ‌ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَشۡكُرُونَ (٦٠) وَمَا تَكُونُ فِى شَأۡنٍ۬ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٍ۬ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا ڪُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُہُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِ‌ۚ وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٍ۬ فِى ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٲلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ۬ مُّبِينٍ (٦١) أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ (٦٢) ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَڪَانُواْ يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِى ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِى ٱلۡأَخِرَةِ‌ۚ لَا تَبۡدِيلَ لِڪَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ‌ۚ ذَٲلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ (٦٤) وَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡ‌ۘ إِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا‌ۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ (٦٥) أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَمَن فِى ٱلۡأَرۡضِ‌ۗ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَڪَآءَ‌ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ (٦٦) هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِتَسۡڪُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًا‌ۚ إِنَّ فِى ذَٲلِكَ لَأَيَـٰتٍ۬ لِّقَوۡمٍ۬ يَسۡمَعُونَ (٦٧) قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدً۬ا‌ۗ سُبۡحَـٰنَهُ ۥ‌ۖ هُوَ ٱلۡغَنِىُّ‌ۖ لَهُ ۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَمَا فِى ٱلۡأَرۡضِ‌ۚ إِنۡ عِندَڪُم مِّن سُلۡطَـٰنِۭ بِہَـٰذَآ‌ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ (٦٨) قُلۡ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ (٦٩) مَتَـٰعٌ۬ فِى ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلۡعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا ڪَانُواْ يَكۡفُرُونَ (٧٠) ۞ وَٱتۡلُ عَلَيۡہِمۡ نَبَأَ نُوحٍ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦ يَـٰقَوۡمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكُم مَّقَامِى وَتَذۡكِيرِى بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَڪَّلۡتُ فَأَجۡمِعُوٓاْ أَمۡرَكُمۡ وَشُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُنۡ أَمۡرُكُمۡ عَلَيۡكُمۡ غُمَّةً۬ ثُمَّ ٱقۡضُوٓاْ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ (٧١) فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَمَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٍ‌ۖ إِنۡ أَجۡرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ‌ۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيۡنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُ ۥ فِى ٱلۡفُلۡكِ وَجَعَلۡنَـٰهُمۡ خَلَـٰٓٮِٕفَ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَـٰتِنَا‌ۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ (٧٣) ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ رُسُلاً إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَـٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُ‌ۚ كَذَٲلِكَ نَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡمُعۡتَدِينَ (٧٤) ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ وَهَـٰرُونَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ بِـَٔايَـٰتِنَا فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمً۬ا مُّجۡرِمِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُوٓاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحۡرٌ۬ مُّبِينٌ۬ (٧٦) قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَڪُمۡ‌ۖ أَسِحۡرٌ هَـٰذَا وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ (٧٧) قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَلۡفِتَنَا عَمَّا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلۡكِبۡرِيَآءُ فِى ٱلۡأَرۡضِ وَمَا نَحۡنُ لَكُمَا بِمُؤۡمِنِينَ (٧٨) وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ٱئۡتُونِى بِكُلِّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍ۬ (٧٩) فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلۡقُواْ مَآ أَنتُم مُّلۡقُونَ (٨٠) فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئۡتُم بِهِ ٱلسِّحۡرُ‌ۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبۡطِلُهُ ۥۤ‌ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ وَلَوۡ ڪَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ (٨٢)


(59) التحريم و التحليل هو حق لله وحده وقد إعترض القرآن على الذين يقولون هذا حلال وهذا حرام بصورة مطلقة، و أحياناً ما نظنه حلالاً قد يكون حراماً فى وقت آخر، فمثلا إن شرب كوب من الماء نراه حلالاً ولكن فى لحظة أخرى إن كان شخص يموت عطشاً أمامك وكان شرب ذلك الماء سيتسبب فى موت ذلك الشخص, ولذا شرب الماء فى هذه الحاله سيكون حراماً لأنه سيتسبب فى قتل نفس بريئة، فعلينا قبل أن ننظر لأى شئ أنه حلال أو حرام أن نتبع ضميرنا فنحكم على تصرفنا و هل يتفق مع روح القرآن وضميرنا أم لا؟ وليس أبلغ من قوله تعالى فى هذا الشأن { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}، وعلى ذلك فإن كان ما نفعله ونظن أنه حلال فيه ظلم لإنسان آخر فعلينا تجنب ذلك الفعل لأن تسببه فى ظلم الآخرين يجعله حراماً فى هذه الحالة فالله تعالى لا يقبل الظلم لا من نفسه ولا من عباده، و كما ذكر فى حديث قدسى ” يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى فلا تظالموا”.

(68) فهم كلمة “إبن” بصورة مادية أى بمعنى أن الله تزوج وأنجب من أمرأة كما يفعل البشر هو مفهوم مرفوض فى القرآن و عند الكثيرين {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ ۖ}، أما إن فهمها البعض بمعنى مجازى ٍ يفيد أن المسيح كلمة الله وروح منه فإن هذا المفهوم لا يختلف كثيراً عن مفهوم القرآن للمسيح {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ}، وفى حقيقة الأمر فإن ما يهم فى الكلمات هو مفهومها وليس فقط أحرفها فلو فهم أحد مثلاً التعبيرالقرآنى {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} والمذكور فى القرآن بأن الله محدود فقط فى داخل هذا المكان “الكعبة” فقد خالف مفهوم القرآن للإله أما إن فهم كلمة {بَيْتِيَ} بصورة مجازية بمعنى أنه مكان يستضيف الله فيه عباده ليعبدوه فالأمر يختلف تماماً ويتفق مع مفهوم القرآن للخالق وكذلك الحال فى مفهوم كلمة أبن والتى قد تفهم أيضاً بصورة مجازية. فعلينا أن نسأل الآخرين كيف يرون الأشياء قبل أن نتسرع بالحكم عليهم.

(69-70) الإفتراء على الله كذباً كما وصفه الله بقوله {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} قد إعتبره الله كفراً كما جاء فى آخر الآيتين {بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ}، وقد حذرنا القرآن فى أكثر من موقع من الإفتراء على الله كذباً كما جاء فى هذه الآيات :

{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ}

و{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ },

 {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ}.

(74) توضح هذه الآية بشاعة جريمة الإعتداء على الآخرين {كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ} وقد حرم الله الإعتداء فقال {وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}. ونرى دائما فى قصص القرآن كيف أن رسل الله كانوا هم المعتدى عليهم و ليسوا البادئين بالعدوان {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ}.

 فالعدوان أو إستخدام العنف ليس صفة الأنبياء و الرسل إنما هو صفة أعداء الله فى العصور السابقة، فمشركو مكة إعتدوا على الرسول والمسلمين الأوائل وقوم إبراهيم إعتدوا عليه وألقوه فى النار، وعلينا أن نختار بمن نقتدى؟ هل بأعداء الله الذين يعتدوا على الآمنين أم برسل الله و أنبيائه والذين لم يبدءوا العدوان على أحد، فما بالنا اليوم نرى أُناساً ينتسبون للإسلام ظلماً وزورا فيعتدون على الآمنين بالإرهاب وبوحشية وهمجية ويظنون أنهم يتبعون القرآن ويقتدون بالرسل وهم فى حقيقة الأمر أعداء القرآن وأعداء الرسل الحقيقيون وقدوتهم فى أفعالهم الشريرة وعدوانهم على الآخرين هو الشيطان الرجيم, فآيات الله واضحة جلية كما فى قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} وكما أيضاً فى قوله {كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ}.


فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ۬ مِّن قَوۡمِهِۦ عَلَىٰ خَوۡفٍ۬ مِّن فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِمۡ أَن يَفۡتِنَهُمۡ‌ۚ وَإِنَّ فِرۡعَوۡنَ لَعَالٍ۬ فِى ٱلۡأَرۡضِ وَإِنَّهُ ۥ لَمِنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ (٨٣) وَقَالَ مُوسَىٰ يَـٰقَوۡمِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيۡهِ تَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّسۡلِمِينَ (٨٤) فَقَالُواْ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَا رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةً۬ لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحۡمَتِكَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَـٰفِرِينَ (٨٦)


(83) إن أبشع الجرائم التى إرتكبها فرعون أنه إستضعف فئة من البشر ومنعهم من إتباع الدين الذى إرتضوه لأنفسهم {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ} كما يفعل البعض فى عصرنا الحالى بما يسمى ” إضطهاد الأقليات الدينية “, ومن يفعل ذلك فهو مثل الطاغية فرعون الذى قال فيه رب العزة {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} وقال فيه {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ( أى فلا يوجد عذاب أشد من عذاب فرعون ) }، لإضطهاده مجموعة معينة لأنها مختلفة فى فكرها الدينى عن باقى المجتمع وإستضعافهم لأنهم قليلون فى العدد والقوة، وإستضعاف الأقليات  هو شيم الجبناء فى كل العصور الذين كانوا يستضعفون من يخالفهم الرأى  والعقيدة، ومبادئ الإسلام الحقيقية تعلى مبدأ {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} وتؤكد على حرية العقيدة {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } وتنهى عن محاولة منع التنوع و إجبار الناس على مبادئ دينية بعينها :

{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ }.

(84) { وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ } ( كلمة “مسلمين” هنا تعنى مفعلين السلام فى الأرض) فقد ذكر القرآن أن كثيراً من الأنبياء كانوا مسلمين وكان ذلك قبل نزول القرآن وقبل الديانة الإسلامية بأركانها التى نعرفها، فعلينا أن نفرق بين الإسلام بمعناه اللغوى وإتباع الديانة الإسلامية بأركانها المعروفة لنا، فالإسلام لغوياً يعنى صناعة السلام أوتفعيل السلام فى الأرض فكما فى صلح – أصلح – إصلاح – مصلحين فكلمة مسلمين مشتقه من سلم – أسلم – إسلام – مسلمين أى صانعى السلام فى الأرض فكل من يصنع سلاماً فهو من المسلمين بمفهومها اللغوى و هو مقبول عند الله تعالى {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} أى أن الطريق الى الله “الدين” يكون بالعيش بسلام مع الآخرين، أما الديانة الإسلامية فتشمل إتباع القرآن وأداء شعائر بعينها، فمن يفعل هذه الشعائر ولكنه يفسد فى الأرض و يتبع طريق العنف بدلاً من أن ينشر السلام فى الأرض فهو ليس بمسلم. (صناعة السلام تعنى أن يكون الإنسان فى سلام داخلى مع نفسه وفى سلام و تسامح مع من حوله وفى سلام مع مجتمعه  ومع العالم), فالإسلام ليس إسم علم يترجم كما هو وإنما صفة و أسلوب حياة تعنى العيش فى سلام داخلى مع نفسه ومع الآخرين بتسامح و محبة بلا بغض أو كراهية أو ظلم،  ومن يفعل ذلك فهو مسلم و لكنه ليس بالضرورة أن يكون من من يمارسون شعائر الديانة الإسلامية.

 فبإختصار من يقوم بعمل الشعائر الإسلامية ولكنه لايسالم الآخرين فهو ليس بمسلم ومن لا يفعل أى شعيرة من شعائر الديانة الإسلامية ولكنه يسالم الآخرين فهو بمسلم ولذا قال تعالى {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} فلم يعقد المقارنة اللغوية بين المسلمين والكافرين وإنما قارنها بكلمة المجرمين لأن عكس الإسلام (وهو العيش بسلام مع الآخرين) هو الإجرام وليس الكفر.

ولذا فقد وصف الله تعالى أناساً يقولون أنهم مسلمون وينطقون بكلمة الإيمان بأفواههم ولكن أفعالهم تدل على عكس ذلك تماماً {لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} ومن أمثال هؤلاء الإرهابيون الذين يدعون أنهم مسلمون لأنهم يقيمون بعض الشعائر فى حين أن أفعالهم البشعة وقتلهم للأبرياء وسفك دماء الآمنين يدل على أنهم أشد الناس عداءاً للإسلام فهم يفعلون عكس معناه تماما فهم مؤدون شعائر فقط وليسوا بمسلمين، وقد أستحب هؤلاء العمى على الهدى فهم فضلوا العنف على السلام.


وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتً۬ا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَڪُمۡ قِبۡلَةً۬ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ‌ۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ (٨٧) وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيۡتَ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَأَهُ ۥ زِينَةً۬ وَأَمۡوَٲلاً۬ فِى ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ‌ۖ رَبَّنَا ٱطۡمِسۡ عَلَىٰٓ أَمۡوَٲلِهِمۡ وَٱشۡدُدۡ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدۡ أُجِيبَت دَّعۡوَتُڪُمَا فَٱسۡتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ (٨٩) ۞ وَجَـٰوَزۡنَا بِبَنِىٓ إِسۡرَٲٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُ ۥ بَغۡيً۬ا وَعَدۡوًا‌ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدۡرَڪَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُ ۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَٲٓءِيلَ وَأَنَا۟ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ (٩٠) ءَآلۡـَٔـٰنَ وَقَدۡ عَصَيۡتَ قَبۡلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ (٩١) فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةً۬‌ۚ وَإِنَّ كَثِيرً۬ا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَـٰتِنَا لَغَـٰفِلُونَ (٩٢) وَلَقَدۡ بَوَّأۡنَا بَنِىٓ إِسۡرَٲٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدۡقٍ۬ وَرَزَقۡنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ فَمَا ٱخۡتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ‌ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِى بَيۡنَہُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ (٩٣) فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ۬ مِّمَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ فَسۡـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقۡرَءُونَ ٱلۡڪِتَـٰبَ مِن قَبۡلِكَ‌ۚ لَقَدۡ جَآءَكَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡخَـٰسِرِينَ (٩٥) إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتۡ عَلَيۡہِمۡ ڪَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ (٩٦) وَلَوۡ جَآءَتۡہُمۡ ڪُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ (٩٧) فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَـٰنُہَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡہُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡىِ فِى ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَـٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٍ۬ (٩٨)


(87) {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} أصبحت قبلة بنى إسرائيل بعد تلك المرحلة هى “القدس” وهى نفس القبلة التى إتبعها المسلمون فى بداية الدعوة ثم تم تغيرها بعد ذلك، ونتعلم من هذا أن العبرة فى عبادة الله ليست الى أى إتجاه يتجه إليه الإنسان وقت الصلاة، فالصلاة كانت مقبولة عند الله تعالى من بنى إسرائيل ومن أتباع الديانة الإسلامية قبل تغيير القبلة لكل منهما، و علينا دائما تذكر قول الله تعالى {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}،  فقد رأينا على سبيل المثال كيف أن الرسول كان يصلى فى غار حراء كما ورد فى أول سورة فى القرآن {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ – عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ} وكان ذلك قبل تحديد أى  قبلة بعينها، فاختلفت القبلة عبر العصور وتغيرت وبقى الله الواحد دون أن يتغير، والقبلة ما هى إلا رمز حتى لا يظن البعض أننا نتعبد إليها أى الى الحجارة ومبنى الكعبة فالله تعالى كما هو فى إدراكنا هو موجود فى كل مكان  و قال تعالى {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} وليس محدداً على الإطلاق كما جاء فى هذه الآيات {أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} و {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} و {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ, (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}.

(88) {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} إن هذا الدعاء الذى نطق به موسى عليه السلام لهو دلالة على بشاعة الظلم الذى تعرض له هو وإخوانه من بنى إسرائيل و كل من آمن معه على يد الطاغية فرعون، فبالرغم من أن موسى أوصل الى فرعون رساله الله بالحسنى {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} فإن رد فرعون إتصف فى لحظات بالعنف والغلظة كما نرى فى الآيات التالية {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ}, وقول فرعون للسحرة {لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ}، وقد أراد فرعون إستخدام العنف مع موسى لا لشئ إلا إنه كان يدعو لديانة مختلفة عن التى يدين بها غالبية الناس فكان رد فرعون العنيف نابعاً من رفضه لأن يدعو أحد لدين أوفكر جديد فى مجتمعه وكانت حجة فرعون

{ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ }.

 وهذا المشهد يعلمنا إن الأنبياء والمرسلين والصالحين لا يتصفوا أبدا بإستخدام العنف لنشر دعوتهم وأنه على العكس تماماً فإن الطغاه و الظالمين هم الذين يفعلون ذلك وهم الذين يمنعون أى فكر يختلف عنهم، وقد رأينا ذلك أيضاً فى كفار مكة حين إستخدموا العنف لمنع الرسول من نشر دعوته, ورأيناه أيضاً حينما استخدم قوم إبراهيم أبشع درجات العنف كالإلقاء فى النار و التهديد بالرجم لمنع نشر فكره المسالم لمجرد أنه مختلف عما يؤمنون به، فبمن يا ترى نقتدى هل بالكافرين وبالطغاه و الظالمين إن خالف فكرنا, أم ياترى نقتدى بموسى و محمد و إبراهيم فى دعوتهم الى الله بالحسنى؟

(90) {وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} لا تعنى إتباع أركان الديانة الإسلامية إنما تعنى الإذعان المطلق لله والندم على التكبر و الظلم و القسوة و العنف مع من كان يخالفه، و لمعرفة مفهوم كلمة “مسلمين” برجاء مراجعة التعليق على الآية (84) من نفس السورة.

(92) تشير الآية الى حقيقة تاريخية وهى أن جسد الفراعنة كان يحفظ للأجيال التابعة وهو ما نسميه الآن بالتحنيط .

(93) {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} يقر القرآن هنا فى هذه الآية واحداً من أهم المبادئ فى كتاب الله ألا وهو أن الله تعالى وحده هو صاحب حق الحكم على البشر فلسان حال الآية يقول لست أنت يا محمد وليس أحداً ممن معك لهم الحق أن يصدروا أحكاماً على بنى إسرائيل فالأمر كله بيد الله {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }.

و لنا أن نتعلم من هذه الآية ألا نتدخل فى إصدار الأحكام على أحد أوعلى أمة ما فالله وحده هو صاحب الحق فى ذلك، ومن يصدر أحكاماً ليحاسب الآخرين هو فى الحقيقة يتأله وينصب نفسه شريكاً لله فى إصدار الأحكام {أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ}.

(94) أقر الله تعالى هنا مبدءاً هاماً وهو سؤال أهل الكتاب (التوراة و الإنجيل) فى أمور تخص الدين والعقيدة {فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ}، فهناك على سبيل المثال الكثير من القصص فى القرآن تتضح تفاصيله فى أسفار التوراة والأنجيل، وقد أقر الله تعالى هذا المبدأ – أى السؤال و التعلم من الآخرين – فى مواقع أخرى مثل {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} وقد رجح الكثيرون أن يكون المقصود بأهل الذكر هم أهل التوراة وذلك لقوله تعالى {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ ( أى التوراة )}.


وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَأَمَنَ مَن فِى ٱلۡأَرۡضِ ڪُلُّهُمۡ جَمِيعًا‌ۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تُؤۡمِنَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ‌ۚ وَيَجۡعَلُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ (١٠٠) قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضِ‌ۚ وَمَا تُغۡنِى ٱلۡأَيَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوۡمٍ۬ لَّا يُؤۡمِنُونَ (١٠١) فَهَلۡ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثۡلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِهِمۡ‌ۚ قُلۡ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ‌ۚ كَذَٲلِكَ حَقًّا عَلَيۡنَا نُنجِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ (١٠٣) قُلۡ يَـٰٓأَيُّہَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِى شَكٍّ۬ مِّن دِينِى فَلَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنۡ أَعۡبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّٮٰكُمۡ‌ۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ (١٠٤) وَأَنۡ أَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفً۬ا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدۡعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ‌ۖ فَإِن فَعَلۡتَ فَإِنَّكَ إِذً۬ا مِّنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ (١٠٦) وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ۬ فَلَا ڪَاشِفَ لَهُ ۥۤ إِلَّا هُوَ‌ۖ وَإِن يُرِدۡكَ بِخَيۡرٍ۬ فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِۦ‌ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ‌ۚ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ (١٠٧) قُلۡ يَـٰٓأَيُّہَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَڪُمُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡ‌ۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَہۡتَدِى لِنَفۡسِهِۦ‌ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡہَا‌ۖ وَمَآ أَنَا۟ عَلَيۡكُم بِوَڪِيلٍ۬ (١٠٨) وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَٱصۡبِرۡ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ‌ۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَـٰكِمِينَ (١٠٩)


(99) لم تعاتب هذه الآية القرآنية الرسول على التفكير ولو للحظة واحده فى إكراه الناس على عقيدته {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} فحسب وإنما أرست واحداً من أعظم المبادئ فى القرآن هو أن إختلاف البشرعن بعضهم البعض فى الفكر والعقائد ليس ضد إرادة الله – وإنما هو إرادته ومشيئته لأنه لو شاء لجعل الناس أمة واحدة {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا}، وذلك يدل أن إرادة الله هى التنوع والإختلاف وإعطاء البشر الحق والحرية  فى إختيار أفكارهم وعقائدهم، وهؤلاء الذين يريدون أن يكرهوا الناس أو يجبروهم بإتباع فكر واحد هم فى الحقيقة يتحدون إرادة الله ويحاربون سنته فى الإختلاف والتنوع {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ} وهذا الإختلاف كما ذكرنا هو سنة الله وكما قال تعالى {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا}.

( 100-101) تدعونا هذه الآيات للتفكر وإستخدام العقل فإستخدام العقل فى القرآن الكريم هو فريضة إلهية فالعقل أمانة يحاسب الإنسان عليها يوم القيامة، فكما قال القرآن ليحثنا على إعمال العقل وإستخدام الفكر كما قال فى الآيات التالية :

{إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} و{ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} و{إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ (عقول)} و {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ}

{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم}  {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} وغيرها من الآيات الداعية لإستخدام العقل و التفكر.

(104) لم يأمر الله تعالى نبيه  الكريم أن يرفع سيفه على الناس إن إرتابوا فى دينه بل أن يرد عليهم كما فى الآية {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }.

أضف تعليق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى