آراء حرة

كيف تتم عملية الخداع الطبي؟

الخداع الطبي؟

انتشرت عملية الخداع في مجال الصحة والطب في العقود الماضية بدرجة ملحوظة. ومما زاد من حجم المشكلة ودرجة انتشارها هو قدرة البعض ممن يروجون لمثل هذا الخداع على عمل إعلانات تليفزيونية أو مقالات مدفوعة الأجر في بعض الصحف التي لا تتوخى الحذر في نشر معلومات طبية.

وبعد ظهور الإنترنت وإنتشار شبكات التواصل الإجتماعي أصبح موضوع نشر معلومات طبية خاطئة أكثر سهولة من ذي قبل فكل من يجلس أمام شاشات الكمبيوتر أو يحمل هاتفاً خلوياً أصبح قادراً على نشر أو إعادة نشر أي معلومة طبية بدون أي تدقيق أو تمحيص.

والأمر – أي نشر معلومات طبية خاطئة أو مضللة أو خادعة – هو أمر في غاية الخطورة حيث أنه قد يتسبب في إستخدام علاج ضار بالمريض أو يجعله يتخلى عن إستخدام علاج ناجع تمت دراسته والتأكد من تأثيره على المرض.

وهناك العديد من الأمثلة عن كيف تتم عملية “الخداع الطبي” ومن المهم أن نعرفها حتى لا نصبح أو نكون ضحايا لمثل هذا النوع من الخداع.

فعلى سبيل المثال لا الحصر قد تتم عملية الخداع الطبي من خلال وصف مادة عشبية على أنها علاج لعرض مثل الأنيميا (أي فقر الدم). فالأنيميا (فقر الدم) ليست أكثر من عرض لمشكلة أخرى. فهناك أنيميا بسبب نقص الحديد وهناك أنيميا بسبب نقص فيتامين بي 12 أو نقص حمض الفوليك.

وأنيميا نقصان الحديد قد يكون سببها نقص تناول الحديد في الغذاء وقد يكون سببها زيادة فقدان الحديد من الجسم بسبب قرحة في المعدة أو بسبب تدمير الخلايا الخاصة بإمتصاص الحديد في الجهاز الهضمي كنتيجة لأحد الأمراض التي لها علاقة بجهاز المناعة. ولذا فإن من يزعم أن هناك علاج “للأنيميا” فهو في الحقيقة يمارس درجة عالية من الخداع لأن الأنيميا ليست مرض بالمعنى الدقيق للكلمة ولكنها عرض أو أحد أعراض مرض أو أمراض أخرى. فهل هناك عشب يعالج كل هذه الأمراض التي قد تسبب الأنيميا او فقر الدم؟

وهذا لا يمنع من وجود أعشاب لها فوائد صحية عديدة في علاج أمراض بعينها ولكن لا يعني ذلك قدرتها على علاج “عرض” قد يتسبب فيه العشرات من الأمراض.

ومن الوسائل الأخرى للخداع الطبي هو إعطاء معلومة إحصائية مجردة بدون إعطاء معلومات كاملة عن باقي المعلومات الإحصائية حتى يتسنى فهم المعلومة الأولى بصورة صحيحة.

فعلى سبيل المثال نرى البعض يتكلم عن وفاة شخص أو بضعة أشخاص بعد أخذ أحد لقاحات كورونا ويستنتج البعض من ذلك أن اللقاح خطير للغاية. وقد يكون هذا صحيحاً إذا كان عدد الوفيات في الذين أخذوا اللقاح أكثر من الوفيات في الذين لم يأخذوه.

ولكن لنا أن نتخيل لو أن هناك 5 أفراد توفوا بعد أخذ لقاح كورونا في تجربة تمت على مائة ألف نسمة. وفي نفس الوقت توفى خمسون شخصا في مائة ألف نسمة أخرى بسبب عدم أخذهم للقاح وبالتالي إصابتهم بمرض كورونا. ففي هذه الحالة فإن أخذ اللقاح في هذه التجربة قد يكون أنقذ حياة 45 إنسان!

فذكر معلومة مجردة عن اللقاح دون ذكر أرقام للمقارنة بمن لم يأخذوه هو على أقل تقدير تقصير في عرض المعلومة إن لم يوصف بأنه درجة من الخداع الطبي لسبب أو لآخر.

ومن الأمثلة الأخرى على عملية “الخداع الطبي” هو ذكر معلومة طبية دون ذكر مصدرها العلمي. فعلى سبيل المثال نجد البعض يقول في بعض البرامج أن “العلم” أثبت أن العلاج الفلاني هو أفضل علاج لمرضى السكر.

السؤال هنا هو أين نجد هذا “العلم” للتحقق من هذه المعلومة ومدى صحتها وهل هناك مصدر طبي أو علمي نستطيع الرجوع إليه للتاكد من هذه المعلومة والتي قد تكون محض خيال؟

وتتم عملية الخداع الطبي لأسباب عديدة مثل محاولة زيادة معدلات البيع لبعض المنتجات أو لزيادة إنتشار بعض المجلات والصفحات الإلكترونية عبر نشر المعلومة في شبكات التواصل الإجتماعي أو لمنع الناس من قبول دواء معين لمصلحة دواء آخر.

ومن الهام فهم كيف تتم عملية الخداع الطبي حتى لا نقع في حبائلها ونكون من ضمن ضحاياها.
وأخيراً – وليس آخراً – فإن نشر الوعى الطبي في المجتمع والإرتقاء بالثقافة الطبية والصحية قد يساعد على زيادة وعي المجتمع مما قد يقلل من قدرة “الخداع الطبي” على إيقاع ضحايا جدد.

المقالة من موقع قناة الحرة – من زاوية أخرى
أضف تعليق
بقلم د. توفيق حميد

زر الذهاب إلى الأعلى