آراء حرة

ما معنى “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون”

لم أزل أتذكر ما كان يقوله لنا قادة الجماعة الإسلامية في كلية طب القصر العيني في أواخر السبعينيات من القرن الماضي ليدعموا تنفيذ ما أسموه حدود الشريعة الإسلامية مثل بتر يد السارق ورجم الزناة وقتل المثليين.

وكان شعارهم حين ذاك الآية الكريمة ” وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ” (المائدة 44)! وبمجرد أن تبدأ في التفكير في الآية ومعناها يتلون عليك الآية الثانية ” وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ “(المائدة 45) ثم – وقبل أن يرتد إليك طرفك – يعطوك الثالثة ” وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (المائدة 47) “.

وكانت غايتهم من هذا إقناعنا بأن أنظمة الحكم التي لا تطبق “الحدود” المذكورة أعلاه هي أنظمة “كافرة” تستحق – في نظرهم – الإبادة والعصيان!

وبنفس المنطق تم تكفير الرئيس الراحل أنور السادات وتم قتله بعد تكفيره بهذه الآيات.

والعجيب في الأمر أن الآية الأولى والثانية أعلاه نزلا في عدم تطبيق التوراة كما جاء في الآية الكريمة ” إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ   ” أما الآية الثالثة فنزلت فيمن لا يطبق أحكام الإنجيل – وليس القرآن كما يظن الكثيرون! فنص الآية يقول ” وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ”.

أي أن هذه الآيات التي تستخدمها الجماعات المتطرفة ويستخدمها المتطرفون دائما لتكفير الحكومات والدول التي لا تطبق ما أسموه بـ”حدود الشريعة الإسلامية” نزلت أساساً في عدم تطبيق التوراة والإنجيل وليس القرآن!

والأمر لا يقف عند ذلك فحسب فإن إقناع الناس أن تنفيذ أحكام الله هو بتطبيق “حد” السرقة والزنا والمثلية الجنسية – كما تفعل طالبان وداعش وغيرهم من النظم الإسلامية المتطرفة – هو اجتزاء لمعنى الآيات وتحريف لمفهومها القرآني.

فعلى سبيل المثال فإن كلمة “حدود” التي يستخدمونها لم تأت أبدأً ولم تذكر ولو مرة واحدة في القرآن بمعنى العقوبات الجسدية المذكورة أعلاه.

والأمر الثاني في هذا السياق هو أن “تحديد” معنى “ما أنزل الله” في العقوبات الجسدية هو تحديد لمعنى الآيات بمفهوم لم ينزل الله به من سلطان! فالله تعالى أمر بأحكام عديدة مثل “العدل” (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) و عدم السخرية من الآخرين “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ” والتواضع ” وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا” والتعايش مع الآخرين في سلام ومودة “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً”، والرد على الإساءة بالإحسان “ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ”، وعدم الإكراه في الدين” لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ” وحرية العقيدة ” فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ.” وإطعام المحتاجين أياً كان دينهم أو عرقهم أو عقيدتهم “وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا” والأمانة في التعاملات  “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا” ….. فلماذا يهمل المتطرفون هذه الأحكام الإلهية ويحددونها فقط في مفهومهم الضيق الذي لا يستند إلا على أهوائهم ورغبتهم في لي معاني القرآن لخدمة أغراضهم السياسية في السيطرة على الآخرين!

المقالة من موقع قناة الحرة – من زاوية أخرى
أضف تعليق
بقلم د. توفيق حميد

زر الذهاب إلى الأعلى