آراء حرة

ما معنى “فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ”

مفهوم آخر للآية الكريمة غير الذي ينشره دعاة التطرف والكراهية

يستشهد كثير من المتطرفين والإرهابيين بآية {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} لتبرير جرائمهم البشعة في حق الإنسانية، وقد وصل ببعضهم الأمر أن يتلذذوا بفعل هذه الجرائم بل وحث الآخرين عليها.

والمسلم العادي يجد نفسه في معضلة ولا يدري كيف يرد عليهم، فهم يستخدمون القرآن والمعنى الظاهري والحرفي لهذه الآية كما يبدوا للبعض هو أن عليهم رفع السيف على غير المسلمين وذبحهم إذا قابلوهم!

وللأسف فإن معظم التفسيرات المعتمدة المتاحة لا تفسر الآية بصورة تمنع هذا المفهوم المتجرد من الضمير والرحمة والإنسانية إن لم تكن تدعمه.

وما حدث في الأيام الماضية في فرنسا من ذبح مواطنين أبرياء بدم بارد وسط صيحات “الله أكبر” يؤكد أن هناك خللا شديدا في المفاهيم الدينية يتضمن مفهوم هذه الآية ولا بد أن يتم علاجه حتى نمنع تكرار مثل هذه الأحداث والجرائم البشعة.

والآن دعوني أتطرق لبحث مفهوم آخر للآية الكريمة غير الذي ينشره دعاة التطرف والكراهية:

الآية تقول: “فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ”. وكما نرى فإن كلمة “كفروا” مشار إليها بكلمة “الذين” لتخصص المعنى فقط في كفار مكة الذين بدأوا بالعدوان “وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ” (سورة التوبة 13).

ولو كان الأمر بالقتال أمرا عاما لاستخدم القرآن تعبير “من كفر” بدون استخدام أداة التخصيص “الذين”، فهناك فارق كبير بين معنى “قاتلوا من كفر” و “قاتلوا الذين كفروا”، فالأولى تعمم المعنى والثانية تخصصه فقط في مجموعة بعينها يتكلم عنها القرآن ويشير إليها بأداة التخصيص “الذين”.

وذلك المعنى يتفق تماما مع المبدأ القرآني في عدم العدوان إلا على المعتدين “وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” (البقرة 190) ومع مبدأ التعايش في سلام مع الآخرين “ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ” (سورة البقرة 208).

أما آية {فَضَرْبَ الرِّقَابِ} وهي محور المناقشة  فمن معانى الضرب في اللغة الفصل بين شيئين {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا} (سورة طه آية 77)، (و استخدم القرآن هنا تعبير “اضرب” لأن الفعل يؤدى إلى الفصل بين كتلتين من المياه)، أما كلمة “الرقاب” فهي تأتى عامة في القرآن وفي أغلب الأحيان بمعنى الأسرى الذين كان يتم أخذهم كرقيق (أي عبيد)، فمن مخارج الزكاة على سبيل المثال {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (سورة التوبة آية 60) أي دفع جزء من الزكاة لتحرير الأسرى ومنع العبودية.

وجميع الآيات القرآنية الأخرى التي وردت فيها كلمة “الرقاب” في كتاب الله جاءت بمعنى الأسرى الذين كان يتم أخذهم كعبيد بعد الحروب وهي ما يلي: “لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ” (سورة البقرة ـ آية 177)

وآية “إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ” (سورة التوبة ـ آية 60).

والمعنى كما يتضح الآن في آية “فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ” أي أنه في هذه الحالة وفي وقت الحرب (لدفع العدوان) لا بد من فصل الأسرى (أو الرقاب) فلا يتم استخدامهم أثناء القتال كدروع بشرية.

ولا يعنى ضرب الرقاب في الآية قتل الأسرى على الإطلاق، لأنه لا معنى لشد الوثاق بعد قتل الإنسان كما يتضح من الآية {حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} فشد الوثاق لا يكون إلا للحى حتى لا يهرب.

* ومعنى {أَثْخَنتُمُوهُمْ} في هذا السياق قد يعني أنهم أصبحوا غير قادرين على مواصلة العدوان والقتال وقد يعني في اللغة العربية “إقامة الحجة” عليهم في المناقشة (أو كما نسميه اليوم بالمباحثات الدبلوماسية!).

فكما جاء في معجم “لسان العرب” فإن الاثخان يعني أيضا إقامة الحجة الدامغة على الطرف الآخر فكما ذكر “لسان العرب” (وفي حديث عائشة وزينب لم أَنْشَبْها (أي لم أتركها) حتى أَثْخَنْتُ عليها أَي بالَغْتُ في جَوابِها وأَفْحَمْتها).

ثم كيف يأمر القرآن بأن يتم المن على هؤلاء الأسرى أو مبادلتهم مع أسرى آخرين {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} إذا كان ضرب الرقاب يعنى القتل! ويتضح من ذلك أن ضرب الرقاب تعنى فصل الأسرى لا ذبحهم.

ويبدو أن المشهد كله في السرد القرآني للآية هو في مرحلة ما بعد نهاية الحرب وكيف يتم التعامل مع الأسرى. فكما جاء في القرآن الكريم “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” (سورة الأنفال آية 70).

ويؤكد هذا المعنى للآية وسياقها قوله تعالى بعد ذلك {حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} فإن قتل الأسرى وذبحهم يزيد الحرب اشتعالا لا يطفئها، وعلى النقيض من ذلك فإن فصل الأسرى وعدم استخدامهم كدروع بشرية، والمن عليهم بعد ذلك هو ما يجعل الحرب تضع أوزارها لكي تطفأ نيران الحرب، وذلك يتفق مع إرادة الله للبشر أن يعيشوا في سلام مع بعضهم البعض:

{ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} ويتسق تماماً مع ما أمر به القرآن في معاملة الأسرى ” وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (سورة الإنسان آية 8-9).

المقالة من موقع قناة الحرة – من زاوية أخرى
أضف تعليق
بقلم د. توفيق حميد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى