آراء حرة

من أخطر ما يواجه الفكر الإسلامي

أخطر ما يواجه الفكر الإسلامي

أظهرت مشكلة فتوي الشيخ عبد الله رشدي ضد الدكتور مجدي يعقوب واحدة من أخطر المشاكل التي تواجه الفكر الإسلامي، ألا وهي مشكلة إصدار الأحكام على الآخرين وتقرير حسابهم وهل هم في الجنة أم النار.

وموضوع مجدي يعقوب بدأ بتغريدة للشيخ عبد الله رشدي جاءت بعد أيام قليلة من تكريم الدكتور مجدي يعقوب في الإمارات، وقال فيها بالحرف الواحد: “العمل الدنيوي ما دام ليس صادرا عن الإيمان بالله ورسوله فقيمته دنيوية تستحق الشكر والثناء منا نحن البشر في الدنيا فقط لكنه لا وزن له يوم القيامة”… “وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا” و”من السفاهة أن تطلب شهادة بقبول عملك في الآخرة من دين لا تؤمن به أصلا في الدنيا”.

وإصدار الأحكام المتعلقة بحساب الآخرين صفة عامة متواجدة وبقوة داخل الفكر الإسلامي التقليدي، فتارة نجد من يكفر الفنانين والفنانات، وتارة نرى من يكفر غير المسلمين أو حتى المسلمين الذين لديهم أفكار إصلاحية تختلف عن التراث الديني التقليدي.

والمشكلة ـ كل المشكلة ـ هنا أن إصدار أحكام بحساب الآخرين قد يصل إلى درجة تكفيرهم مما يفتح المجال للمتطرفين باستحلال أموالهم وأعراضهم بل وحياتهم، فالأمر ليس قضية إصدار حكم بحساب البشر فحسب بل قد تتبعه كوارث وجرائم يشيب لها الولدان.

ولا نستطيع أن ننسى في هذا المضمار كيف أصدر المتطرفون فتاواهم بحساب نجيب محفوظ وتكفيره بعد كتابة قصة “أولاد حارتنا”، وكيف كفروا شهيد الفكر “فرج فودة”، وكان نتيجة لإصدار هذه الأحكام أن تم طعن الأول في رقبته بسكين وتم اغتيال الثاني بوحشية أمام أعين الناس.

والمتأمل في أمر حساب البشر ومن ثم إصدار الأحكام عليهم يتضح له أنه ليس من حق أي بشر أن يحاسب غيره كما أوضح وأكد القرآن الكريم، فالقرآن لم يكتفِ فقط بأن يقول للرسول بوضوح إنه هو نفسه لا يدري ما سيفعل به ولا بالآخرين، فكما ذكرت الآية الكريمة بوضوح للرسول عليه السلام “قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ” (سورة الأحقاف آية 9)، بل وبالإضافة إلى ذلك فقد أخذ القرآن موقفا واضحا من قضية حساب البشر وجعله حقا لله وحده كما ذكر في العديد من الآيات القرآنية مثل:

“إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم” (سورة الغاشية آية 26)

“فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ” (سورة الرعد آية 40)

“مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ” (سورة الأنعام آية 52)

“وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ” (سورة المؤمنون آية 117).

واستخدام تعبير “إنما” في هذه الآية الكريمة هو أسلوب “قصر واستثناء” في اللغة العربية وذلك يعني أنه ليس من حق أحد أن يحاسب الناس إلا خالقهم.

وهكذا يتضح لنا جليا أن ما يفعله عبد الله رشدي وأمثاله من رجال الدين ليس من القرآن في شيء بل ويتعارض معه كما أوضحنا أعلاه، فهم قد أعطوا أنفسهم حقا إلهيا لا يملكه إلا الله وحده ألا وهو حساب الناس وإصدار الأحكام عليهم.

وأتمنى من أعماق قلبي أن يتم إعلاء هذه المبادئ القرآنية الرائعة المذكورة أعلاه وأن يكف الناس وبالأحرى رجال الدين عن نعت غيرهم بالكفر وإصدار الأحكام المسبقة عليهم بأنهم من أهل الجنة أو من أهل النار، فكما قال القرآن “فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ” (سورة الرعد آية 40).

المقالة من موقع قناة الحرة – من زاوية أخرى
أضف تعليق
بقلم د. توفيق حميد

زر الذهاب إلى الأعلى