آراء حرة

يا رجال العلم يا ملح البلد من يصلح الملح إذا الملح فسد

من يصلح الملح إذا الملح فسد

كنت أتصور أني سأكتب عنوان هذه المقالة لبعض رجال الدين المتطرفين كما قال لهم البعض في المقولة المعروفة “يا رجال الدين يا ملح البلد من يصلح الملح إذا الملح فسد”، ولكني وجدت نفسي آخذ هذه المقولة وأوجهها إلى بعض علماء الطب الذين وصل بهم الأمر إلى أن يلووا طرق البحث العلمي ليحققوا إما مكاسب مادية أو انتصارات سياسية، فأقول لهم وبصوت عال “يا رجال العلم يا “ملح” البلد من يصلح “الملح” إذا “الملح” فسد!

فيا للعار حينما نرى جريدة اللانست الطبية، وما أدراكم ما جريدة اللانست في عالم الطب، فكل المجلات الطبية حتى وقت قريب كان قد يؤخذ منها ويرد عليها إلا جريدة اللانست، وإذ بها تنشر بحثا خطيرا عن عقار الملاريا المرشح لعلاج فيروس كورونا “الكلوروكين” دون بحث أو تدقيق كاف.

فتلك الجريدة العريقة، التي أنشأها الجراح البريطاني “توماس واكلي” عام 1823، وأسماها على اسم أداة جراحية (المشرط)، كانت منارة للعلم والدقة والمراجعة الدقيقة حتى وصل الأمر بها أن تتربع أو تكاد أن تتربع عرش الطب، فكان الطبيب الذي ينشر فبها مقالاته العلمية والطبية يتم اعتباره أيقونة علمية لمجرد أن تقبل جريدة اللانست نشر بحثه!

إن فقدت الناس الثقة بجريدة مثل اللانست في عالم الطب فبمن يثقون؟ ومن يصدقون؟!

وفجأة، وعلى حين غرة، تخرج علينا جريدة “اللانست” من فترة قريبة بمقال علمي لم يكتفِ فقط بإظهار عقار الكلوروكين وكأنه عقار فاشل وحسب، بل واتهمه بأنه يتسبب في وفيات أكثر من لو تركنا المرضى دون إعطائهم العلاج.

ولم تتردد وكالات الأنباء والصحف المناهضة لهذا الدواء لأسباب قد تكون سياسية أو اقتصادية في نشر الخبر في كل أنحاء الأرض، دون أدنى تحقق من المعلومة المذكورة في جريدة اللانست، فكيف لهم أن يشككوا ولو مثقال حبة من الخردل في دقة معلومة تم نشرها في جريدة اللانست!

ولم يقف الأمر عند ذلك فحسب، بل وصلت الأمور إلى أن منظمة الصحة العالمية وبدون أي تحقق من دقة ومصداقية المعلومات المذكورة في جريدة اللانست، هرولت إلى وقف كل التجارب التي تقوم بها حول العالم في أكثر من مئة دولة لاختبار نجاح العقار في علاج فيروس كورونا!

ولنا أن نتصور كم مريض مات لأنه لم يعالج به بسبب قرار منظمة الصحة العالمية بوقف استخدام الدواء دون تحقق من الأمر.

كارثة بكل المقاييس، فنحن لا نعلم حتى الآن كم نفس بشرية فقدت بسبب وقف استخدام هذا العقار كنتيجة لمقال اللانست وقرار منظمة الصحة العالمية المتسرع بوقف استخدام الدواء!

ثم تأتى الطامة الكبرى حين تراجعت اللانست فقط بعد أن طالب المجتمع العلمي ومجتمع الأطباء بالتحقيق في مصادر البحث، خاصة أن به أخطاء واضحة، فعلى سبيل المثال لا الحصر ذكرت المقالة أعداد الوفيات في مستشفيات أستراليا وتبين بعد ذلك أن الأرقام المذكورة في المقالة أكبر بكثير من كل أعداد الوفيات في القارة الأسترالية داخل المستشفيات وخارجها! وبعد إثارة هذه النقطة بدأت اللانست في التراجع وأعلنت أن هناك خطأ في الأرقام.

وبعد ذلك طالب العديد من العلماء والأطباء أيضا معرفة المصادر الطبية المذكورة في البحث حتى يتأكدوا من مصداقيتها، وحين ذاك بدأت الحقيقة تتكشف خاصة بعد أن رفضت شركة الأبحاث الطبية الصغيرة والمجهولة التي قامت بالبحث أن تفصح عن مصادر الأرقام التي ذكرتها.

وبدأ تراجع اللانست بعد ذلك من شدة الضغط العلمي عليها فأعلنت في النهاية سحب المقال وحتى الأطباء الذين نشروه اعتذروا عن نشره!

ويا لها من مأساة أن نرى واحدة من أعرق مؤسسات النشر الطبية في العالم تنزلق إلى هاوية الكذب والخداع وفقدان المصداقية العلمية!

لنا أن نتصور كم مريض مات لأنه لم يعالج به بسبب قرار منظمة الصحة العالمية بوقف استخدام الدواء دون تحقق من الأمر

فإن فقدت الناس الثقة بجريدة مثل اللانست في عالم الطب فبمن يثقون؟ ومن يصدقون؟!

أما الأمر الأكثر إيلاما فهو انطلاق التساؤلات حول عدد المرات التي حدث فبها أمر شبيه. أو بمعنى آخر كم من عقار دعمته المجلة ولم يكن يستحق الدعم، وكم من حقيقة علمية ذكرت ولم تكن معلومة صادقة أو دقيقة؟!

فالأمر لا يقف عند عقار الكلوروكين، إذ كيف لنا أن نثق في ما ينشرونه يبعد الآن؟

فمن يكذب في حقائق العلم ولو لمرة واحدة يبقى أبد الدهر مزعزع العقيدة سقيم الوجدان!

والعجيب أنني قبل أن أكمل هذه المقالة جاءني خبر عاجل في صميم الموضوع. والخبر هو أن ثاني صرح في عالم النشر الطبي وهي مجلة “نيو إنغلاند جورنال أوف ميديسين” تراجعت هي أيضا عن بحث هام نشرته وله علاقة خطيرة بمرض كورونا وعلاجه!

وأختصر كلامي هذا بتعليق قالته زوجتي الغالية وهي طبيبة أيضا بعد أن أدركت ما حدث فنطقت بكلمة عفوية تلخص ما حدث باللغة العامية ألا وهي “يا خسارتك يالانست!”.

المقالة من موقع قناة الحرة – من زاوية أخرى
أضف تعليق
بقلم د. توفيق حميد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى