آراء حرة

مواجهة القوى الظلامية ضرورة حتمية لنجاح عملية التنوير

القوى الظلامية

لا يختلف الكثيرون على أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر غيرت من وجه التاريخ. فبعد فترة من اتجاه البشرية نحو الانطلاق إلى آفاق المستقبل، يفاجئهم غول رجعي يريد العودة بالعالم إلى مرحلة صراع الحضارات.

ومنذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية رأينا نوعاً جديداً من الصراع والاتهامات والخوف من العمليات الإرهابية وزيادة درجة الأمن في المطارات وشد وجذب بين مصادر الإعلام المختلفة حول أسباب الإرهاب.

ووسط هذا الزخم والصراع التاريخي جاء 4 قادة من العالم العربي والإسلامي، لتبدأ مرحلة أو مراحل جديدة في مواجهة الأفكار المتطرفة التي ساعدت على إشعال فتيل جذوة الصراع العالمي المذكور أعلاه.

وهؤلاء القادة هم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التونسي قيس سعيد، وولي عهد أبوظبي، الشيخ محمد بن زايد.

فلا يستطيع أحد أن ينسى موقف السيسي الداعم لتغيير الخطاب الديني ومطالباته المتكررة وبوضوح لرجال الدين لحثهم على البدء في تغيير الخطاب الداعي للكراهية.

ولا يمكن لأحد أن ننسي التغيرات الرائدة لمحمد بن سلمان في المملكة السعودية. فمن دعم تاريخي للحريات والفن ولحقوق المرأة إلى مواجهة صريحة للمشكلة، وصلت إلى درجة التصريح بأن المملكة لن تعتمد على أحاديث الآحاد إلا إذا كانت مدعومة بالقرآن. ولمن لا يعرف قدر هذا التغيير فلا يسعني أن أقول له إن هذا الأمر هو أكبر وأعظم قرار لجعل مستقبل العالم الإسلامي أكثر إشراقاً. وما فعله محمد بن سلمان في هذا الشأن لن يقف فقط عند حدود المملكة، بل سيحدث تأثيراً إيجابياً في منطقة الشرق الأوسط بأكملها.

وبالإضافة إلى ذلك، يأتي موقف دولة الإمارات العربية بتطبيع العلاقات مع إسرائيل ليضيف بعداً جديداً قد يغير تاريخ المنطقة. فبعد عداء دام لعدة عقود تثبت دولة الإمارات أن السلام هو أساس النهوض والتقدم في المنطقة.
ومن الأمور الجيدة أن ما فعلته دولة الإمارات لم يقف عند كلمات واتفاقات على الورق فقط، بل أصبح تحركاً ملموساً في علاقات جيدة بين الإمارات وإسرائيل وبداية تغيير في مواد التعليم لمنع الكراهية واتفاقات مشتركة للتقدم في نواحي عديدة اقتصادية وعلمية.

ووسط هذه التغييرات التاريخية يأتي الرئيس التونسي ليضيف بعداً تاريخياً جديداً بتعيينه امرأة في منصب رئيس الوزراء، وهي نجلاء بودن، التي أصبحت أول امرأة تتولى هذه المهمة في الدول العربية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو هل سيستطيع هؤلاء القادة أن يكملوا المسيرة، أم أن هناك عوامل قد تعوقهم عن المضي قدماً في التغيير المنشود.

مما لا شك فيه أن هناك عوامل تاريخية تساعدهم على إكمال المسيرة، ومنها عامل الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، وهو عامل ساعد بشدة على إظهار حقيقة فكر التطرف والمتطرفين وفتح مجالاً للحوار والتغير في المفاهيم الدينية، ربما لم يحدث مثله من قبل في التاريخ. وهناك عامل آخر ساعد على التقدم في اتجاه التنوير، ألا وهو فشل منظمة الإخوان المسلمين وغيرها من المنظمات الإسلامية مثل تنظيم داعش في تحقيق وعودها الكاذبة للناس، بأن الرخاء سيتحقق بوجودهم في الحكم وبتطبيق ما أسموه بالشرع الحنيف والشريعة الغراء.

ولكن من ناحية أخرى، فإن هناك عوامل قد تعوق عملية التغيير المنشودة ومنها على سبيل المثال المحاولات المستمرة لمنظمة الإخوان وأعوانها للهجوم الدائم على التنويريين، وأخذهم للقضاء بتهمة ازدراء الأديان. فمن الصعب أن نتصور مثلاً ونحن نعيش في هذه الفترة التاريخية، أن كاتباً مثل الكاتب المصري أحمد عبده ماهر مطلوب للمحاكمة ومهدد الآن بالحبس -وهو قارب على الثمانين من العمر ولا يكاد يرى بعينيه – لأنه كتب كتاباً لم يعجب السلفيين والمتطرفين! وقد يحتاج الأمر لتدخل سياسي أقوى لمنع مثل هذه الأشياء التي تتعارض مع صريح الدستور في مصر وتشوه صورة مصر في الخارج، وتتناقض كلياً من فكرة تطوير الخطاب الديني التي قد تغير تاريخ المنطقة للأفضل.

فلا ينبغي أن يترك (بضم الياء) الأمر تبعاً لأهواء أفراد في مواقع جعلتهم يحكمون على غيرهم من البشر، ويعاقبونهم بسبب نشر كتب تتعارض مع أفكارهم المتطرفة.

ومن الأمور الهامة أيضاً للنجاح في دعم التنوير في العالم العربي، أن يتم كبح جماح الكراهية لليهود ولإسرائيل (معاداة السامية) في وسائل الإعلام فهي – أي معاداة السامية – عامل هام في منع السلام والرخاء في الشرق الأوسط.

وهؤلاء القادة المذكورين في هذه المقالة أصبحوا في ريادة حركة التطوير والتنوير الفكرية في الشرق الأوسط، ولذا أصبحوا في مواجهة صريحة مع القوى الظلامية التي تريد إعادة حركة التاريخ إلى الخلف. ومن الحكمة عدم الاستهانة بهذه الحركات الظلامية وفي مقدمتها تأتي جماعة الإخوان المسلمين، وهي تمتلك الكثير من الأموال والخبرات المتراكمة والأعوان التي تعطيهم القدرة على إعاقة حركة التطوير المنشودة في المجتمعات العربية.

فألف شكر لهؤلاء القادة على قيادة حركة التغيير والتنوير وأتمنى أن يكملوا المسيرة ويستطيعوا كبح جماح القوى الظلامية، لأنها قد تعوق مسيرتهم الهامة لتطوير العالم العربي ولخلق عالم أفضل.

أضف تعليق
بقلم د. توفيق حميد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى